الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٢٥١وَالرُّكُونُ مِنْ الْقَلْبِ وَقَدْ تَدُلُّ عَلَيْهِ الْجَوَارِحُ كَإِبَاءٍ مِنْ حَقٍّ
--------------------------------------
الْمَرْكُونُ إلَيْهِ ذَنْبًا لَا يَعْصِي بِإِرَادَتِهِ أَوْ يَعْصِي عِصْيَانًا لَا يُسَمَّى هَلَاكًا عَلَى مَا مَرَّ فِي الْإِثْمِ بِالْهَمِّ بِالْمَعْصِيَةِ وَيُرِيدُ الرَّاكِنُ ذَلِكَ الذَّنْبَ مِنْ الْمَرْكُونِ إلَيْهِ إرَادَةَ عَزْمٍ وَتَوَجُّهٍ وَإِصْرَارٍ فَيَهْلِكُ أَوْ يَصْدُرُ مِنْ الرَّاكِنِ مَا هُوَ كَبِيرَةٌ وَقَدْ يَصْدُرُ مِنْ الْمَرْكُونِ إلَيْهِ مَا لَيْسَ كَبِيرَةً وَبَعْدَ ذَلِكَ يَصْدُرُ مِنْ الْمَرْكُونِ إلَيْهِ مَا هُوَ كَبِيرَةٌ أَوْ لَا يَصْدُرُ.
وَمِثْلُ أَنْ لَا يُرِيدَ الْمَرْكُونُ إلَيْهِ ذَنْبًا فَتَوَهَّمَ الرَّاكِنُ أَنَّهُ أَرَادَهُ تَوَهَّمَ مِنْ حَالِهِ أَوْ كَلَامِهِ أَوْ لَمْ يَتَوَهَّمْ لَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ الْمَرْكُونُ إلَيْهِ ذَلِكَ فَيَعْتَقِدُ الرَّاكِنُ اعْتِقَادًا يُسَمَّى رُكُونًا أَوْ يَفْعَلَ مَا هُوَ رُكُونٌ فَقَدْ هَلَكَ وَبَعْدَ ذَلِكَ يَفْعَلُ الْمَرْكُونُ إلَيْهِ مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ أَوْ كَبِيرَةٌ أَوْ لَا يَفْعَلُ وَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يَصْدُقُ لَفْظُ قَبْلَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَفْعَلْ الْمَرْكُونُ إلَيْهِ الْهَلَاكَ؟ قُلْتُ إمَّا أَنْ يُرِيدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَيُرِيدُ بِقَبْلَ مَا إذَا فَعَلَ الْمَرْكُونُ إلَيْهِ مَا يَهْلِكُ بِهِ بَعْدَ الرَّاكِنِ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَهُوَ الْمَجَازُ؛ قُلْتُ تَشْبِيهًا لِحَالِ الْمَرْكُونِ إلَيْهِ بِحَالِ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ ذَلِكَ لِمَكَانِ فِعْلِ الرَّاكِنِ أَوْ لِأَنَّ فِعْلَ الرَّاكِنِ يَسْتَلْزِمُ فِي الْجُمْلَةِ مُتَابَعَةَ الرَّاكِنِ وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَبْلِيَّةِ هَلَاكِ الْمَرْكُونِ إلَيْهِ مُجَرَّدَ صُدُورِ الرُّكُونِ مِنْ الرَّاكِنِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِمَعْصِيَةِ الْمَرْكُونِ إلَيْهِ أَوْ كَبِيرَتِهِ سَوَاءٌ تُوجَدُ بَعْدُ أَمْ لَا وَهَذَا مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ وَأَيْضًا قَدْ يَكُونُ الْمَرْكُونُ إلَيْهِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَطِفْلٍ فَلَا ذَنْبَ عَلَيْهِ وَيُذْنِبُ الرَّاكِنُ إلَيْهِ.
(وَالرُّكُونُ مِنْ الْقَلْبِ وَقَدْ تَدُلُّ عَلَيْهِ الْجَوَارِحُ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى هَلَاكِ الرَّاكِنِ أَوْ عِصْيَانِهِ بِالرُّكُونِ بِالْقَلْبِ سَوَاءٌ صَدَرَ مِنْ جَوَارِحِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى رُكُونِهِ أَوْ لَا فَقَدْ يَكُونُ الرُّكُونُ صَغِيرَةً عَلَى حَدِّ مَا مَرَّ فِي الْهَمِّ بِالْمَعْصِيَةِ (كَإِبَاءٍ مِنْ حَقٍّ) لَزِمَ غَيْرَهُ مِثْلُ أَنْ يَهْرُبَ بِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ فِي مَالِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ يُغْلِقَ عَلَى مَالِهِ أَوْ بَدَنِهِ بَابًا كَيْ لَا يَصِلَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَوْ الْقَاضِي مَثَلًا أَوْ يَعْتَرِضَ دُونَهُ بِسِلَاحٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ فَامْتَنَعَ مِنْهُ فَإِنَّمَا هُوَ رَاكِنٌ إلَى الْمَعْصِيَةِ مِنْ نَفْسِهِ