شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٢٨٢

.................................................

---------------------------------------

رَغْبَةٌ صَادِقَةٌ لِلنَّفْسِ فِي الْإِفَادَةِ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ وَالْفُتُوَّةُ أَخَصُّ مِنْهَا وَهِيَ كَفُّ الْأَذَى وَبَذْلُ النَّدَى وَالصَّفْحُ عَنْ الْعَثَرَاتِ وَسَتْرُ الْعَوْرَاتِ وَهُمَا فِي مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ مُحَرَّمَانِ وَفِي مُخَالَفَةِ الْمُرُوءَةِ مَكْرُوهًا تَنْزِيهًا وَضِدُّهُمَا وَهُوَ الْوَسَطُ بَيْنَ ذَيْنِكَ الطَّرَفَيْنِ التَّفْرِيطُ وَالْإِفْرَاطُ مَعَ الْمَيْلِ إلَى الْبَذْلِ وَالسَّخَاءِ وَالْجُودِ وَهُوَ مَلَكَةُ بَذْلِ الْمَالِ زَائِدًا عَلَى الْوَاجِبِ لِنَيْلِ الثَّوَابِ أَوْ فَضِيلَةِ الْجُودِ وَتَطْهِيرِ النَّفْسِ مِنْ رَذَالَةِ الْبُخْلِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ مَعَ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْإِسْرَافِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ﴾ - ﴿وَاَلَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا﴾ الْآيَةَ وَأَعْلَى السَّخَاءِ الْإِيثَارُ وَهُوَ بَذْلُ الْمَالِ مَعَ الْحَاجَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ كَذَا قِيلَ وَلَيْسَ ظَاهِرُ الْآيَةِ ذَلِكَ بَلْ ظَاهِرُهَا أَنَّ الْإِيثَارَ يَكُونُ أَيْضًا بِلَا خَصَاصَةٍ وَقِيلَ التَّبْذِيرُ أَشَدُّ مِنْ الْإِسْرَافِ وَضِدُّهُمَا التَّقْتِيرُ وَقَدْ قِيلَ السَّخَاءُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ التَّقْتِيرِ وَالتَّبْذِيرِ وَقِيلَ السَّرَفُ الْجَهْلُ بِمَقَادِيرِ الْحُقُوقِ وَالتَّبْذِيرُ الْجَهْلُ بِمَوَاقِعِ الْحُقُوقِ وَكِلَاهُمَا مَذْمُومٌ وَذَمُّ التَّبْذِيرِ أَعْظَمُ لِأَنَّ الْمُسْرِفَ مُخْطِئٌ فِي الزِّيَادَةِ وَالْمُبَذِّرَ

مُخْطِئٌ فِي الْجَمِيعِ قَالَ مُعَاوِيَةُ كُلُّ سَرَفٍ فَبِإِزَائِهِ حَقٌّ مُضَيَّعٌ لِأَنَّهُ إذَا أَسْرَفَ فَالزَّائِدُ قَدْ ضَيَّعَ حَقَّهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَلَالَ لَا يَحْتَمِلُ السَّرَفَ وَقِيلَ الْإِسْرَافُ إهْلَاكُ الْمَالِ وَإِضَاعَتُهُ وَإِنْفَاقُهُ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ مُعْتَدٍّ بِهَا دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ مُبَاحَةٍ فَمِنْهُ ظَاهِرٌ مَشْهُورٌ كَإِلْقَاءِ الْمَالِ فِي الْبَحْرِ وَالْبِئْرِ وَالنَّارِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُوصَلُ إلَيْهِ فِيهِ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ وَخَرْقِهِ وَكَسْرِهِ وَقَطْعِهِ وَكَعَدِمِ اجْتِنَاءِ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ حَتَّى تَهْلِكَ وَتَفْسُدَ وَعَدَمِ إيوَاءِ