شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٢٩٨

...........................................................

------------

قِبَلَ لَهُ بِهِ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ التَّسْلِيمَ لِحُكْمِ قَاسِمِ الْحُظُوظِ وَلَا يُضَيِّعُ مَعَ ذَلِكَ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّفَاعِ بِحَسْبِ طَاقَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَحَصَّلْ عَلَى الظَّفَرِ حَصَلَ عَلَى الْعُذْرِ فَقَالَ الْمَأْمُونُ نُخْبِرُكَ أَنَّ الَّذِي تَوَجَّهَ إلَيْنَا أَمْلَكُ بِالْبَلَدِ مِنَّا وَلَا يُمْكِنُ مُقَاوَمَتُهُ وَلَوْ أَرَدْنَاهَا فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ يَنْبَغِي أَنْ تَمْحُوَ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ قَلْبِكَ بِالْجُمْلَةِ وَلَا تُصْغِي لِمَنْ يَنْطِقُ بِهِ فَإِنَّهُ يُقَالُ مَا كَثُرَ مَنْ كَثَّرَهُ الْبَغْيُ وَلَا قَوِيَ مَنْ قَوَّاهُ الظُّلْمُ وَلَا مَلَكَ مَنْ مَلَكَهُ الْغَضَبُ وَأَنَا أُحَدِّثُكَ عَمَّنْ إنْ حَذَوْتَ مِثَالَهُ نِلْتَ مَنَالَهُ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ هَاتِ مَا عِنْدَكَ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ إنَّ الخشواد مَلِكَ الْهَيَاطِلَةِ لَمَّا أَسَرَ فَيْرُوزَ مَلِكَ فَارِسَ.

وَأَرَادَ إطْلَاقَهُ أَخَذَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَغْزُوَهُ وَلَا يَقْصِدَهُ بِمَكْرُوهٍ وَحَدَّ فِي أَقْصَى أَرْضِ الْهَيَاطِلَةِ صَخْرَةً وَأَخَذَ عَلَى فَيْرُوزَ عَهْدًا لَا يُجَاوِزُهَا وَتَوَثَّقَ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُ وَوَصَلَ مَمْلَكَتَهُ فَدَخَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ وَالْأَنَفَةُ أَنْ يَغْزُوَ الخشواد فَأَطْلَعَ وُزَرَاءَهُ فَحَذَّرُوهُ النَّكْثَ وَعَاقِبَةَ الْبَغْيِ فَمَا رَدَّهُ ذَلِكَ عَمَّا هُوَ فِيهِ فَذَكَّرُوهُ الْعُهُودَ فَقَالَ حَلَفْتُ لَا أَتَجَاوَزُ الصَّخْرَةَ فَأَنَا آمُرُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى فِيلٍ بَيْنَ يَدَيْ الْجُنُودِ وَلَمَّا رَأَوْهُ انْقَادَ لِشَهْوَتِهِ عَزَمُوا أَنْ لَا يُعَاوِدُوهُ فِي ذَلِكَ فَجَمَعَ مَرَازِبَتَهُ وَهُمْ أَرْبَعَةٌ كُلُّ مَرْزُبَانٍ يَتْبَعُهُ خَمْسُونَ أَلْفًا فَسَارُوا وَهُوَ يَظُنُّ أَنْ لَا غَالِبَ لَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَى الصَّخْرَةِ فَحَمَلَهَا عَلَى فِيلٍ قُدَّامَ جُنُودِهِ فَمَا بَعُدَ عَنْ مَوْضِعِهَا حَتَّى جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ إسْوَارًا عَظِيمًا مِنْ أَسَاوِرَتِهِ قَتَلَ مِسْكِينًا ظُلْمًا فَجَاءَ أَخُوهُ فَيْرُوزُ مُتَظَلِّمًا فَأَرْضَاهُ بِمَالٍ فَأَبَى

إلَّا الْقَتْلَ فَطَرَدَهُ فَانْطَلَقَ مِنْ حِينِهِ إلَى الْقَاتِلِ بِخِنْجَرٍ فِي يَدِهِ وَلَمَّا رَآهُ هَرَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى فَرَسِهِ فَأُخْبِرَ فَيْرُوزُ فَتَعَجَّبَ وَنَزَلَ وَزِيرٌ لَهُ عَنْ دَابَّتِهِ فَسَجَدَ لَهُ فَسَأَلَهُ مَا يُرِيدُ فَقَالَ أُرِيدُ الْخَلْوَةَ لِمُهِمٍّ عَرَضَ فَأَمَرَ بِقُبَّةٍ فَدَخَلَهَا وَدَخَلَ عَلَيْهِ الْوَزِيرُ فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ السَّعِيدُ مَلَكْتَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ.

وَقَدْ ضُرِبَ لَكَ أَمْرُ الْإِسْوَارِ مَثَلًا إذْ هَرَبَ فِي نَجْدَتِهِ مِنْ مِسْكِينٍ فِي يَدِهِ خِنْجَرٌ فَقَالَ لَهُ لَمْ يَفِرَّ مِنْهُ عَجْزًا بَلْ خَوْفًا مِنَّا أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا شَنِيعًا وَيَتْبَعُهُ بِآخَرَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ إنْ أَمَّنْتَهُ وَأَمَرْتَ