شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٢٩٩

..........................................

---------------

بِمُبَارَزَتِهِمَا فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمِسْكِينُ أَتَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِثْلُ ضَرْبَةِ اللَّهِ لَكَ؟ فَقَالَ لَأَفْعَلَنَّ فَأَحْضَرَ الْإِسْوَارَ لِذَلِكَ فَأَجَابَ وَجَمَعَ عَلَيْهِ سِلَاحَهُ وَرَكِبَ فَرَسَهُ وَأَحْضَرَ الْمِسْكِينَ فَأَجَابَ وَخُوِّفَ فَقِيلَ لَهُ أَلَمْ تَرَ فُرُوسِيَّتَهُ وَنَجْدَتَهُ وَسِلَاحَهُ وَأَظْهَرَ الرَّغْبَةَ فَقَالَ الْمِسْكِينُ دَعَوْنِي وَإِيَّاهُ فَإِنَّهُ عَلَى فَرَسِ الْغُرُورِ وَأَنَا عَلَى فَرَسِ النُّصْرَةِ وَهُوَ لَابِسٌ دِرْعَ الشَّكِّ وَأَنَا لَابِسٌ دِرْعَ الثِّقَةِ وَهُوَ يُقَاتِلُ بِسَيْفِ الْبَغْيِ وَأَنَا أُقَاتِلُ بِسَيْفِ الْحَقِّ فَقَالَ الْوَزِيرُ إنَّ كَلَامَ هَذَا الْمِسْكِينِ أَبْلَغُ فِي الْمَثَلِ وَالْوَعْظِ مِنْ ظَفَرِهِ بِالْإِسْوَارِ فَأَرْضِ الْمِسْكِينَ وَأَحْسِنْ إلَيْهِ وَاسْتَبْقِ الْإِسْوَارَ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَانْظُرْ بِالْعَدْلِ الْمَأْلُوفِ.

فَقَالَ فَيْرُوزُ لَا بُدَّ أَنْ يُبَارِزَهُ فَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَرَغِبَ فِيهِ فَقِيلَ لِلْإِسْوَارِ الْقَهُ وَلَا تَجْبُنْ فَحَمَلَ كُلٌّ عَلَى الْآخَرِ فَقَبَضَ الْمِسْكِينُ شَكِيمَةَ فَرَسِ الْإِسْوَارِ فَضَرَبَهُ الْإِسْوَارُ فَطَأْطَأَ بِهَا فَأَصَابَ أَلْيَتَيْهِ وَأَثَّرَ فِيهِ قَلِيلًا وَثَارَ إلَيْهِ الْمِسْكِينُ بِضَرْبَةٍ فِي عُنُقِهِ وَجَذَبَهُ لِلْأَرْضِ وَزَادَ أُخْرَى وَأَدْخَلَ حَلَقَةً مِنْ الدِّرْعِ فِي جَوْفِهِ وَمَاتَ فَبَاتَ

فَيْرُوزُ مُفَكِّرًا فِي أَمْرِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُثْنِهِ ذَلِكَ عَنْ هَوَاهُ وَمَضَى فِيهِ وَوَكَّلَ الخشواد الْأَمْرَ لِلْأَوَّلِ الْآخَرِ وَسَأَلَهُ عِقَابَ خَلْفِ الْعَهْدِ وَأَخَذَ مَعَ ذَلِكَ بِحَظِّهِ مِنْ الْحَزْمِ وَأَمْهَلَهُ حَتَّى تَوَسَّطَ مَمْلَكَتَهُ وَأَفْسَدَ فَفَاجَأَهُ الخشواد وَصَدَقَ الْجَلَّادُ فَانْكَشَفَ فَيْرُوزُ مُنْهَزِمًا وَأَسْلَمَ مَا مَعَهُ وَاحْتَوَى عَلَيْهِ الخشواد كُلِّهِ وَأَمْعَنَ فِي طَلَبِهِ حَتَّى ظَفَرَ بِهِ فَقَتَلَهُ وَأَسَرَ أَهْلَ بَيْتِهِ وَحُمَاتَهُ وَكَانَتْ الْعَاقِبَةُ لَهُ.

وَلَمَّا سَمِعَ الْمَأْمُونُ ذَلِكَ أَقْبَلَ إلَيْهِ مُسْتَبْشِرًا وَقَالَ لَقَدْ سَمِعْنَا مَقَالَكَ وَقَبِلْنَاهُ وَسَرَّنَا وَشَكَرْنَاكَ عَلَيْهِ فَمَا تَرَى فِيمَا دَعَوْنَاكَ إلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَجْزَلَ مِنْ الْعِلْمِ حَظَّكَ وَفَتَقَ بِالْمَعْرِفَةِ فِكْرَكَ وَأَنْطَقَ بِالْحِكْمَةِ لِسَانَكَ وَقَطَعَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّتَكَ وَعُذْرَكَ؟ فَقَالَ الشَّيْخُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَسُرَّ الْمَأْمُونُ بِإِسْلَامِهِ وَأَجْزَلَ صِلَتَهُ وَقَرَّبَ مَنْزِلَتَهُ وَأَلْحَقَهُ بِخَاصَّةِ أَصْحَابِهِ وَأَمَرَهُ بِمُلَازَمَةِ بَابِهِ فَمَا لَبِثَ الشَّيْخُ إلَّا قَلِيلًا حَتَّى لَحِقَ بِاَللَّهِ تَعَالَى