الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣١٢.....................................................
---------------------------
يَنَامُ اللَّيْلَ وَأَنَا أَسْهَرُهُ كُلَّهُ فَلَوْ أَرَحْتُ نَفْسِي، فَوَضَعَ جَنْبَهُ إلَى الْأَرْضِ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ شَخْصًا فَتَلَا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا﴾ الْآيَةَ فَاسْتَيْقَظَ فَازِعًا وَعَلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ فَأَيْقَظَ أَبَا هَارُونَ فَقَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ بِاَللَّهِ هَلْ أَتَيْتَ كَبِيرَةً قَطُّ؟.
قَالَ: لَا يَا ابْنَ أَخِي وَلَا صَغِيرَةً عَنْ عَمْدٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ أَبُو عَقَّالٍ: لِهَذَا تَنَامُ أَنْتَ وَلَا يَصْلُحُ لِمِثْلِي إلَّا الْكَدُّ وَالِاجْتِهَادُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ مَرَّ بَعْضُ الْمُلُوكِ بِبُقْرَاطَ الْحَكِيمِ نَائِمًا فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ قَالَ: قُمْ، فَقَامَ غَيْرَ مُرْتَاعٍ مِنْهُ وَلَا مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَرَى فِيكَ طَبْعَ الدَّوَابِّ لِأَنَّهَا تَرْكُضُ بِأَرْجُلِهَا فَغَضِبَ فَقَالَ: أَتَقُولُ لِي هَذَا وَأَنْتَ عَبْدِي، فَقَالَ لَهُ بُقْرَاطُ: بَلْ أَنْتَ عَبْدُ عَبْدِي قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ لِأَنَّ شَهَوَاتِكَ قَدْ مَلَكَتْكَ وَأَنَا مَلَكْتُ الشَّهَوَاتِ، فَقَالَ أَنَا الْمَلِكُ ابْنُ سَادَاتِ الْأَمْلَاكِ أَمْلِكُ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْبِلَادِ وَكَذَا وَكَذَا مِنْ الرِّجَالِ وَكَذَا وَكَذَا مِنْ الْأَمْوَالِ، قَالَ: أَرَاك تَفْتَخِرُ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِكَ،
وَإِنَّمَا سَبِيلُكَ أَنْ تَفْتَخِرَ عَلَيَّ بِنَفْسِكَ وَلَكِنْ تَعَالَ نَخْلَعُ ثِيَابَنَا وَنَتَرَامَى فِي هَذَا النَّهْرِ وَنَتَكَلَّمُ فَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ الْفَاضِلُ وَالْمَفْضُولُ.
وَعَنْ الْجَاحِظِ أَنَّهُ وَجَدَ مَكْتُوبًا عَلَى حَجَرٍ: يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ رَأَيْتَ يَسِيرَ مَا بَقِيَ مِنْ أَجَلِكَ لَزَهِدْتَ فِي طُولِ مَا تَرْجُو مِنْ أَمَلِكَ وَلَرَغِبْتَ فِي الزِّيَادَةِ مِنْ عَمَلِكَ وَلَقَصَرْتَ مِنْ حِرْصِكَ وَحِيَلِكَ، وَإِنَّمَا يَلْقَاكَ غَدًا نَدَمُكَ وَقَدْ زَلَّتْ بِكَ قَدَمُكَ وَصَرَمَكَ أَهْلُكَ وَحَشَمُكَ وَتَبَرَّأَ مِنْ صُحْبَتِكَ الْقَرِيبُ، وَانْصَرَفَ عَنْكَ الْحَبِيبُ فَلَا أَنْتَ فِي عَمَلِكَ زَائِدٌ وَلَا إلَى أَهْلِكَ عَائِدٌ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ