الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣١٣................................................
-----------------------
الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا نَظَرَهُ عِبْرَةٌ وَكَلَامُهُ فِيهَا حِكْمَةٌ وَسُكُوتُهُ فِيهَا فِكْرَةٌ، يَصْبِرُ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَيَشْكُرُ عِنْدَ الرَّخَاءِ، وَيَرْضَى بِجَمِيعِ الْقَضَاءِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: الزَّاهِدُ الصَّادِقُ قُوتُهُ مَا وَجَدَ، وَلِبَاسُهُ مَا سَتَرَ وَمَسْكَنُهُ حَيْثُ أَدْرَكَ، الدُّنْيَا سِجْنُهُ، وَالْقَبْرُ مَضْجَعُهُ، وَالْخَلْوَةُ مَجْلِسُهُ، وَالِاعْتِبَارُ فِكْرُهُ، وَالْقُرْآنُ حَدِيثُهُ، وَالزُّهْدُ قَرِينُهُ، وَالْحُزْنُ شَأْنُهُ، وَالتَّقْوَى إرَادَتُهُ وَالصَّمْتُ غَنِيمَتُهُ، وَالصَّبْرُ مُعْتَمَدُهُ، وَالتَّوَكُّلُ حَسْبُهُ، وَالْعَقْلُ دَلِيلُهُ وَالْعِبَادَةُ حِرْفَتُهُ، وَالْجَنَّةُ مَبْلَغُهُ، وَقِيلَ لِبَعْضِ الزُّهَّادِ: مَا بَالُكَ تَمْشِي عَلَى عَصَا وَلَسْتَ بِكَبِيرٍ وَلَا مَرِيضٍ؟ قَالَ: إنِّي مُسَافِرٌ وَإِنَّهَا دَارُ بُلْغَةٍ وَالْعَصَا مِنْ آلَاتِ السَّفَرِ، وَهَذَا كَمَا قِيلَ لِأَبِي مُقَرِّعٍ: لِمَ تُمْسِكُ الْعَصَا دَائِمًا؟.
فَقَالَ وَمَا مَسَكَتْ يَدَيَّ الْعِصِيَّ عَنْ إهَانَةٍ وَلَا اضْطَرَّنِي ضَعْفٌ إلَيْهَا وَلَا ضَرَرْ وَلَكِنَّنِي فِي حَقِّ نَفْسِي حَبَسْتُهَا لِأُعْلِمَهَا أَنَّ الْمُقِيمَ عَلَى سَفَرٍ وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا زَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا وَرَغَّبَهُ فِي الْآخِرَةِ وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ نَفْسِهِ﴾ وَقَالَ
أَيْضًا: ﴿ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ وَفِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ؟﴾ وَقَالَ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَنْ أَرَادَ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ عِلْمًا بِغَيْرِ تَعْلِيمٍ وَهُدًى بِغَيْرِ هِدَايَةٍ فَلْيَزْهَدْ فِي الدُّنْيَا﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ اشْتَاقَ إلَى الْجَنَّةِ سَارَعَ إلَى الْخَيْرَاتِ، وَمَنْ خَافَ مِنْ النَّارِ لَهَى عَنْ الشَّهَوَاتِ وَمَنْ تَرَقَّبَ الْمَوْتَ تَرَكَ اللَّذَّاتِ