الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣١٥وَإِيثَارُهَا وَفَرَحٌ بِنِيلِهَا وَحُزْنٌ عَنْ فَائِتِهَا وَكُلِّ شَاغِلٍ عَنْ الْآخِرَةِ.
------------------
حُبِّ لَذَّاتِهَا (وَإِيثَارُهَا) أَيْ اخْتِيَارُ أُمُورِهَا عَلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ (وَفَرَحٌ بِنِيلِهَا) أَيْ بِنِيلِ أَمْرِهَا (وَحُزْنٌ عَنْ فَائِتِهَا) أَيْ عَنْ فَائِتٍ مِنْ أُمُورِهَا وَإِيثَارُ مَعْطُوفٌ عَلَى حُبِّ، وَكَذَا فَرَحٌ وَحُزْنٌ فَيُجَرُّنَّ إنْ جُرَّ وَيُرْفَعْنَ إنْ رُفِعَ وَكَذَا لَفْظُ كُلِّ بَعْدَ هَذَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَرْكُ حُبِّهَا وَتَرْكُ حُبِّ لَذَّاتِهَا أَوْ تَرْكُ لَذَّاتِهَا وَتَرْكُ إيثَارِهَا وَتَرْكُ فَرَحٍ بِنِيلِهَا وَتَرْكُ حُزْنٍ عَنْ فَائِتِهَا (وَ) تَرْكُ (كُلِّ) أَمْرٍ (شَاغِلٍ عَنْ) أَمْرِ (الْآخِرَةِ) وَإِذَا لَمْ يَتْرُكْ بَعْضًا مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِزَاهِدٍ، وَلَوْ تَرَكَ الْبَاقِيَ مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ اللَّذَّاتِ كُلَّهَا وَمَا ذُكِرَ كُلُّهُ إلَّا لَذَّةً وَاحِدَةً مِنْ الْحَلَالِ فَلَيْسَ بِزَاهِدٍ.
وَلَقَدْ حُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ قَالَ: كُنْتُ اعْتَقَدْتُ أَنْ لَا آكُلَ شَيْئًا مِنْ الشَّهَوَاتِ إلَّا الرُّمَّانَ فَاجْتَزْتُ بِرَجُلٍ بِهِ عِلَّةٌ شَدِيدَةٌ وَإِذَا الزَّنَابِيرُ تَقَعُ عَلَيْهِ وَتَأْخُذُ مِنْ لَحْمِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا إبْرَاهِيمُ وَعَرَفَنِي مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ مَعْرِفَةٍ فَقُلْتُ لَهُ: أَرَى لَكَ حَالًا مَعَ اللَّهِ فَلَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ حَتَّى يُخَلِّصَكَ مِنْ هَذِهِ الزَّنَابِيرِ، فَقَالَ لِي: وَأَرَى لَكَ حَالًا مَعَ اللَّهِ يَا إبْرَاهِيمُ، فَلَوْ
دَعَوْتَ اللَّهَ حَتَّى يُخَلِّصَكَ مِنْ شَهْوَةِ الرُّمَّانِ فَإِنَّ لَسْعَ الزَّنَابِيرِ عَلَى النُّفُوسِ أَيْسَرُ مِنْ لَدْغِ الشَّهَوَاتِ عَلَى الْقُلُوبِ وَعَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ: الزُّهْدُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ زَايٌ وَهَاءٌ وَدَالٌ، فَالزَّايُ تَرْكُ زِينَةِ الدُّنْيَا، وَالْهَاءُ تَرْكُ هَوَاهَا، وَالدَّالُ تَرْكُ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا حَلَالِهَا وَحَرَامِهَا إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ حَلَالِهَا، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا سُمِّيَ زَاهِدًا وَقِيلَ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَا الزُّهْدُ؟ قَالَ: التَّقْوَى، وَعَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ: الزُّهْدُ زُهْدَانِ: زُهْدٌ فِي الدُّنْيَا وَزُهْدٌ فِي الرِّيَاسَةِ وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَزْهَدْ فِي الرِّيَاسَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ زُهْدُهُ فِي الدُّنْيَا، وَعَلَى زُهْدٍ فِي الرِّيَاسَةِ فَهُوَ زَاهِدٌ فِي الدُّنْيَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِبُعْدِ تَسْمِيَتِهِ زَاهِدًا إذَا تَرَكَ الرِّيَاسَةَ وَانْهَمَكَ فِي جَمْعِ الْمَالِ الْحَرَامِ وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ أَوْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا.