شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٣١٦

..............................................

-------------------

وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا رَاحَةُ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ، وَهَذَا تَعْرِيفُ الزُّهْدِ أَوْ إخْبَارٌ بِحَالِ الزُّهْدِ، قَالَ الدَّارَانِيُّ: لَيْسَ الزَّاهِدُ مَنْ نَفَى هُمُومَ الدُّنْيَا وَاسْتَرَاحَ مِنْهَا إنَّمَا الزَّاهِدُ مَنْ زَهِدَ فِيهَا وَتَعِبَ فِيهَا لِلْآخِرَةِ، وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ مَا رَأْسُ الزَّهَادَةِ؟ قَالَ: أَخْذُ الْأَشْيَاءِ مِنْ حِلِّهَا وَوَضْعُهَا فِي حَقِّهَا، وَعَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ: الزُّهْدُ فِي الرِّيَاسَةِ أَشَدُّ مِنْ الزُّهْدِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَبْذُلُهُمَا الْمَرْءُ فِي طَلَبِ الرِّيَاسَةِ، وَقَالَ الدَّارَانِيُّ: مَا شَغَلَكَ عَنْ اللَّهِ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ فَهُوَ عَلَيْكَ مَشْئُومٌ، فَالزُّهْدُ عِنْدَنَا يَعْنِي عِنْدَ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى: تَرْكُ كُلِّ شَيْءٍ يَشْغَلُكَ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقِيلَ لِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ: مَتَى يَكُونُ الرَّجُلُ زَاهِدًا؟ قَالَ إذَا بَلَغَ حِرْصُهُ فِي الدُّنْيَا كَحِرْصِ الْحَرِيصِ عَلَى طَلَبِهَا {وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ عَنْ الزُّهْدِ فَقَالَ: أَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِإِضَاعَةِ الْمَالِ وَلَا بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ، وَلَكِنْ أَنْ تَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِكَ، وَأَنْ يَكُونَ ثَوَابُ الْمُصِيبَةِ أَرْجَحَ عِنْدَكَ}.

وَقِيلَ: الزُّهْدُ لُغَةً، الْإِعْرَاضُ عَنْ الشَّيْءِ احْتِقَارًا لَهُ، وَشَرْعًا أَخْذُ قَدْرِ الضَّرُورَةِ مِنْ الْمَالِ الْمُتَيَقَّنِ الْحِلِّ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْوَرَعِ إذْ هُوَ تَرْكُ الْمُشْتَبَهِ وَقِيلَ: وَتَرْكُ الدُّنْيَا عَنْ قُدْرَةٍ، وَلَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَا يُتَصَوَّرُ الزُّهْدُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ وَلَا جَاهٌ، وَقِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ، يَا زَاهِدُ، قَالَ الزَّاهِدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إذْ جَاءَتْهُ الدُّنْيَا رَاغِمَةً فَتَرَكَهَا، أَمَّا أَنَا فَفِيمَ زَهِدْتُ؟ وَقِيلَ: الزُّهْدُ تَفْرِيقُ الْمَجْمُوعِ وَتَرْكُ طَلَبِ الْمَفْقُودِ وَالْإِيثَارُ عِنْدَ الْقُوَّةِ، وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ: مَا غَلَبَنِي أَحَدُ مَا غَلَبَنِي شَابٌّ مِنْ أَهْلِ بَلْخِي مَرَّ عَلَيْنَا حَاجًّا فَقَالَ: يَا أَبَا يَزِيدَ مَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ؟ فَقُلْتُ: إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا وَإِذَا فَقَدْنَا صَبَرْنَا، فَقَالَ هَكَذَا كِلَابُ بَلْخَ عِنْدَنَا، قُلْتُ: فَمَا حَدُّ الزُّهْدِ عِنْدَكُمْ؟ فَقَالَ: إذَا فَقَدْنَا