الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣١٧.................................
---------------
شَكَرْنَا وَإِذَا وَجَدْنَا آثَرْنَا وَقِيلَ: الزُّهْدُ النَّظَرُ إلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ احْتِقَارٍ فَتَصْغُرُ فِي عَيْنَيْكَ وَيَسْهُلُ عَلَيْكَ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا، وَقِيلَ: الزُّهْدُ قَصْرُ الْأَمَلِ وَالْإِيَاسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَزْهَدُ النَّاسِ: قَالَ: مَنْ لَمْ يَنْسَ الْقَبْرَ وَالْبَلَاءَ وَتَرَكَ فُضُولَ زِينَةِ الدُّنْيَا، وَآثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، وَمَنْ لَمْ يَعُدَّ مِنْ أَيَّامِهِ غَدًا، وَعَدَّ نَفْسَهُ مِنْ الْمَوْتَى﴾ وَقِيلَ: الزُّهْدُ أَنْ لَا تَحْزَنَ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَا تَفْرَحَ بِمَا أَتَاكَ مِنْهَا وَأَحْسَنُ حُدُودِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إنَّهُ فَرَاغُ الْقَلْبِ مِنْ الدُّنْيَا لَا فَرَاغُ الْيَدِ وَهَذَا
زُهْدُ الْعَارِفِينَ، وَعَلَامَةُ زُهْدِ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ الزُّهْدُ فِيمَا سِوَى اللَّهِ مِنْ دُنْيَا وَجَنَّةٍ وَغَيْرِهِمَا إذْ لَيْسَ لِصَاحِبِ هَذَا الزُّهْدِ إلَّا الْوُصُولُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْقُرْبُ مِنْهُ، وَالْحَامِلُ عَلَى الزُّهْدِ أَشْيَاءُ مِنْهَا اسْتِحْضَارُ الْآخِرَةِ وَالْحِسَابِ، ﴿لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَارِثَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟ قَالَ أَصْبَحْتُ وَاَللَّهِ مُؤْمِنًا حَقًّا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اُنْظُرْ مَا تَقُولُ فَإِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ إيمَانِكَ؟ قَالَ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى الدُّنْيَا فَاسْتَوَى عِنْدِي حَجَرُهَا وَذَهَبُهَا، وَسَهِرْتُ لَيْلِي وَظَمَّأْتُ نَهَارِي وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ يَتَمَتَّعُونَ وَإِلَى أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ قَالَ يَا حَارِثَةُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى رَجُلٍ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ فَلْيَنْظُرْ إلَى هَذَا﴾ وَمِنْهَا اسْتِحْضَارُ أَنَّ لَذَّاتِهَا شَاغِلَةٌ لِلْقُلُوبِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَمُوجِبَةٌ لِطُولِ الْحَبْسِ وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ وَالسُّؤَالِ عَنْ شُكْرِ النِّعَمِ، وَمِنْهَا كَثْرَةُ الذُّلِّ وَالتَّعَبِ فِي