الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣٥٢.............................................................
------------------------
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ وَكِنَايَةٌ عَنْ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ الْمُتَقَرِّبِ إلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ، وَتَأْيِيدٌ وَإِعَانَةٌ وَتَوَلِّيهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ تَعَالَى نَزَّلَ نَفْسَهُ مِنْ عَبْدِهِ مَنْزِلَةَ الْآلَاتِ وَالْجَوَارِحِ الَّتِي بِهَا يُدْرِكُ وَيَسْتَعِينُ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: ﴿بِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي﴾ أَيْ: أَنَا أَقْدَرْتُهُ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَخَلَقْتُهَا فِيهِ، فَمَنْ اجْتَهَدَ بِالْفَرْضِ وَالنَّفَلِ تَرَقَّى مِنْ دَرَجَةِ الْإِيمَانِ إلَى دَرَجَةِ الْإِحْسَانِ فَيَمْتَلِئُ قَلْبُهُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَحُبِّهِ وَعَظَمَتِهِ وَيَتَزَايَدُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ غَيْرُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ فَلَا تَنْبَعِثُ جَوَارِحُهُ إلَّا بِمُوَافَقَةِ قَلْبِهِ، وَفِي الْخَبَرِ: ﴿مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلَا أَرْضِي وَلَكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ﴾ وَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: ﴿أَحِبُّوا اللَّهَ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ﴾ وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ الشَّيْطَانَ يَهَابُ عُمَرَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْخَطِيئَةِ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَنْ أَصْبَحَ وَهَمَّهُ غَيْرَ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ﴾ أَيْ مِنْ أَهْلِ قُرْبِهِ وَحُبِّهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ يَمْشِي بِهَا: ﴿وَفُؤَادُهُ الَّذِي يَعْقِلُ بِهِ وَلِسَانُهُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ: {وَمَنْ أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا
وَبَصَرًا وَيَدًا وَمَرِيدًا، دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ، وَسَأَلَنِي فَأَعْطَيْتُهُ، وَنَصَحَنِي فَنَصَحْتُ لَهُ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يَصْلُحُ إيمَانُهُ إلَّا الْغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ} وَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْفَقْرِ وَالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ، وَقَالَ: ﴿إنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِي لِعِلْمِي بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ إنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ: لَأُعِيذَنَّهُ: ﴿وَإِذَا اسْتَنْصَرَنِي نَصَرْتُهُ﴾.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الدُّعَاءَ أَوْلَى لِمَنْ بَلَغَ تِلْكَ الْمَرَاتِبَ كَمَا دَعَاهُ الْأَنْبِيَاءُ فِي الرِّزْقِ وَالْوَلَدِ وَغَيْرِهِمَا وَأَيُّوبُ فِي كَشْفِ الضُّرِّ وَبَعْضٌ: يَخْتَارُ الصَّبْرَ.
عَمِيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي ابْتَلَانِي وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَرُدُّهُ، وَقِيلَ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فِي سِجْنِ الْحَجَّاجِ فَقَالَ: أَكْرَهُ