الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣٦١كَفِرَاقِ الْجَمَاعَةِ بِلَا وَجْهٍ أُبِيحَ لَهُ، مَعَ مُصَاحَبَةِ ضِدِّهَا وَالدُّخُولِ فِيمَا لَا يُنْسَبُ لِأَهْلِ الْخَيْرِ كَتَعْظِيمِ الْأَشْرَارِ وَإِهَانَةِ الْأَخْيَارِ
--------------
فِي وُجُوهِ الْفَسَقَةِ بِلَا مُوجِبٍ وَلَا دَاعٍ، وَمِنْهَا الْغِنَاءُ بِمَا لَا كَذِبَ فِيهِ وَلَا بُهْتَانَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ فَمَعْصِيَةٌ وَمَا ذَكَرْتُ مِنْ
إكْثَارِ الْمَعَاصِي إنَّمَا هُوَ بِحَيْثُ لَا يُطْلِقُ عَلَيْهِ الْإِصْرَارَ مِثْلُ أَنْ يَفْعَلَ الْيَوْمَ صَغِيرَةً وَغَدًا أُخْرَى مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، وَإِضَافَةَ أَخْلَاقٍ لِلْحَقِيقَةِ فَيُصَدَّقُ بِالْحَقِّ الْوَاحِدِ فَصَاعِدًا.
(كَفِرَاقِ الْجَمَاعَةِ بِلَا وَجْهٍ أُبِيحَ لَهُ) وَالْوَجْهُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ: أَنْ يَلْتَزِمَهُ وَيُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ بِهِ كَمَرَضٍ وَعَدُوٍّ وَبَرْدٍ مُضِرٍّ وَكِبَرِ سِنٍّ، وَالْمُرَادُ: الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ بِأَنْ يَكُونَ مَرْجِعُهُمْ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَآثَارِ الْمَشَايِخِ بِلَا كِبْرٍ وَلَا غِلْظَةٍ وَلَا تَقْلِيدٍ وَلَا إدْخَالِ الْعَامَّةِ وَالْفُسَّاقِ فِي أُمُورِهِمْ وَمُشَاوَرَتِهِمْ وَمُرَاعَاةُ مَا يَلِيقُ بِهِمْ وَلَوْ خَالَفَ الْحَقَّ، (مَعَ مُصَاحَبَةِ ضِدِّهَا) فَلَوْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَلَمْ يَصْحَبْ ضِدَّهَا فَلَا بَأْسَ، وَيُعْذَرُ إلَّا إنْ كَانَ يَضْعُفُ الْإِسْلَامُ وَأَهْلُهُ بِمُفَارَقَتِهَا فَلَا تَجُوزُ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ أَنَّ مُفَارَقَتَهَا مِنْ أَخْلَاقِ السُّوءِ وَلَوْ لَمْ يَصْحَبْ ضِدَّهَا، وَمُصَاحَبَةُ ضِدِّهَا مِنْ أَخْلَاقِ السُّوءِ، وَفِي نُسْخَةٍ: مَعَ اصْطِحَابِ ضِدِّهَا وَهِيَ مُشْكِلَةٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ: اصْطَحَبْتُهُ بِمَعْنَى حَفِظْتُهُ، وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ افْتِعَالٌ بِمَعْنَى الْمُفَاعَلَةِ كَالْمُصَاحَبَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يُقَالُ: اصْطَحَبْتُهُ بِمَعْنَى الْتَزَمْتُهُ.
(وَالدُّخُولِ فِيمَا لَا يُنْسَبُ لِأَهْلِ الْخَيْرِ) كَذِكْرِ الْقَبَائِلِ وَالتَّنَافُسِ بِهَا فِي أَمْرِ الْفِتْنَةِ أَوْ الْفُجَّارِ، (كَتَعْظِيمِ الْأَشْرَارِ) تَعْظِيمًا لَا يُوصِلُهُ إلَى الْبَرَاءَةِ.
(وَإِهَانَةِ الْأَخْيَارِ) إهَانَةً لَا تُوصِلُهُ إلَيْهَا وَذَلِكَ كَتَعْظِيمِ الْكَافِرِ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ وَإِهَانَةِ مُسْلِمٍ فِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا