غاية المطلوب في الأثر المنسوب عامر بن خميس بن مسعود المالكي أبو مالك

غاية المطلوب في الأثر المنسوب لعامر المالكي محققا

الجزء ٢ · صفحة ٣١٩

عن عائشة قالت: قال أبو بكر: انظروا ما زاد في مال مذ دخلت في الإمارة فادفعوه إلى الخليفة بعدي، فإني أعجله بجهدي، فإني قد أصبت من الودك كنحو ما كنت أصبت من التجارة، قال: فنظرنا فإذا هو لم يترك إلا ناضحا كان يسقي به بستانا له، وعبدا حبشيا كان يحمل صبيا له، فبعث به إلى عمر، فقيل: إنّ عمر بكى وقال: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده إتعابا شديدا.

وقد بلغنا أنّ الجلندى بن مسعود - رحمه الله - كان يرد على الناس ما اغتصبه الجبابرة من أموالهم، وما اشتروه رأى بيعه غير جائز، وللناس أن يأخذوا أموالهم، ويردوا الثمن الذي اشتراه الجبار أو عامله، ومن كان له حق أخذه.

ومن عهد علي بن أبي طالب إلى مالك بن الحارث الأشتر(1) حين وجهه إلى مصر لجباية خراجها، ومجاهدة عدوها، وإصلاح أمرها، وعمارة بلادها، فقال فيه بعد أمره له بتقوى الله، وأن يرد من هوى نفسه عند الشهوات، وإقامتها على كتاب الله، وإني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دولة من قبلك من عدل وجور، وإنّ الناس ينظرون في أمرك فيما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك مثل ما كنت تقول فيهم.

ومنها: فأشعر قلبك الرحمة للرعية، واللطف والإحسان إليهم، لا تكن عليهم سيفا تفنيهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، نقرط لهم الزلة، وتعرض لهم العلل، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه.

ومنها: لا تندمن على عفو، ولا تسرعن إلى بادرة، وجدت عنها مندوحة، فإنّ ذلك منهكة في الدين.

ومنها: فإن أعجبك ما أنت فيه من سلطانك؛ فانظر إلى عظم ملك الله وقدرته منك على ما تقدر عليه من نفسك، فإنّ ذلك يلين من جناحك، ويطأ من جناحك، ويطمئن من طماحك، إياك ومساومة الله في عظمته، والتشبيه به في جبروته، فإنّ الله يذل كلّ جبار، ويهين كل مختال.

(1) مالك بن الحارث الأشتر النخعي، روى عن علي بن أبي طالب، وبعثه علي إلى مصر للشورى.

٨١٩ / ٨٥٤