فواكه العلوم - غير تام
الجزء ١ · صفحة ١٢فصل: وممّا ضلّت به الملحدة في تفسيره: ﴿أفمن هو قائم على كلّ نفس بما كسبت﴾ معناه حافظها ورازقها وعالم بها، ومجازها بما جنت، وجوابه محذوف تقديره كمن ليس بقائم بل عن نفسه، والله أعلم. وكثير مثل هذا تركته خوف الإطالة، وقد أتيت من تفسيري هذه الوجوه ما سهل لي والله الموفّق إلى الطريق الحقّ والصواب.
فصل: قال قائل: ما الدليل على أنّ الله لا يشبه الأشياء ولا تشبهه؟ قيل له: لا يخلو أمر أن يشبهها /83/ من جميع الجهات أو بعضها فإن أشبهها من جميع كلّ الجهات كان حكمه كحكمها، وإن أشبهها من بعض كلّ الجهات كان مشبّها لها، حيث أشبهها تعالى الله عن ذلك علوًّا كثيرا.
فصل: قال قائل: فإذا علم العبد أنّ العالَم محدَث، وأنّ الله أحدثه، فكيف يعلم أنّه لا يشبهه شيء منها ولا يشبهها؟ قيل له: يعلم ما يشاهد من المحدثات فيما بينّا أنّ كلّ صنعة لا تشبه صانعها، كالكتابة لا تشبه الكاتب، والبناء لا يشبه الباني، فإذا علم ذلك إستدلّ بما ظهر له من ذلك على ما غاب عنه، فعلم أنّ الباري -عزّ وجلّ- لا تشبهه الأشياء، ولا تشاكله، ولا تماثله، وقد قال الله -عزّ وجلّ-: ﴿ليس كمثله شيءٌ﴾ أي ليس هو كشيء من الأشياء فنفسه ذاته وذاته إثباته، لأنّه تعالى ليس بذي جسم، ولا ذي طول، ولا عرض، لأنّه تعالى لو كان جسما من الأجسام لكان طويلا عريضا عميقا، لا يخلو من الحدود والنهاية والأعراض، فهذه صفة الجسم ولولا ذلك لم يكن جسما وكانت جواهرا، ومن كان لا يخلو من الحركة والسكون والنهاية والحدود والمكان، كان محدَثا مخلوقا إذا لم يقدر على أن لا يكون محدودا ذا نهاية وافضاء، والحركة والسكون والتأليف والإيفاض تعالى عن جميع ذلك علوّا كبيرا.