فواكه العلوم - غير تام
الجزء ١ · صفحة ٦٠أوليس العمل بخاتمته، أرأيت لو عمّر معمّر مائة ألف عام يعمل الفجور ويطيع إبليس الكفور في تلك الأعوام والدهور، وكان هذا عند الله سعيدا مرضيا، فتاب إلى الله وأناب واستغفر ربّه فمات غير مصرّ على ذنب، ولا عمل لله عملا إلاّ التوبة والرجوع، فأدركته الموت قبل أن يعمل فعلى قولك هذا لا يوزن له شيء فيبطل لهذا القول، إنّما هو يميّزه وعدله وقضاءه ولهدى هذا عمر في الدنيا لا عمل له غير الهوى، وله جنّات الفردوس والنعيم الدائم، لا يزول إلاّ بتوبته ورجوعه إلى ربّه واعترافه بما جناه من ذنبه، وعزم على أن لا يعود إلى الذنب وعلم الله منه صدق ذلك لقوله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعا﴾ ولو أنّ عابدا من العباد عبد الله أحقابا سنين متتابعة غير منقطعة نحو مائة ألف سنة عبادة قس بن ساعدة الايادي -رحمه الله- وفي زهده كأبي بكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب، -رضي الله عنهما- ولم يعص الله في هذه الأحقاب طرفة عين، فأدركه العلم السابق قبل موته ساعة واحدة، وقال: فعصى الله وتبع هواه في تلك المدّة، ومات مصرّا غير تائب، فما له عند الله غير الخلود في النار، ولا يوزن له من الخير مثقال ذرّة على قولنا نحن، وعلى قول من أثبت الميزان، وإنّ الأعمال توزن بهذا الميزان المعقول، لكان هذا المصرّ الناكب بعد عمله الخير في تلك السنين عند خروجه من الدنيا أفضل من التائب المعترف الباكي على ذنب عند فراقه من الدنيا، ولبطل قوله تعالى: ﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب﴾ وقوله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ ولكنّا نعبد الله، ونعمل الطاعة، ونتوكّل عليه، ولا نأمن من عذابه ولا نيأس من رحمته وثوابه، ونكون بين المنزلتين: الخوف والرجاء، لقوله تعالى: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما﴾، وقوله: ﴿ويحذّركم الله نفسه﴾، ولا يأمن مكر الله