فواكه العلوم - غير تام
الجزء ١ · صفحة ٨فصل: والمعنى الثاني الذي ضلّت به الجهلة -أبعدهم الله من رحمته- وهو قوله -عزّ وجلّ-: ﴿كلّ شيء هالك إلاّ وجهه﴾ أي إلاّ هو لا كما قالته الجهلة: إنّ الوجه كوجه غيره من الأشياء، وقد قال الله عزّ وجلّ: ﴿ويبقى وجه ربّك﴾ أي لأنّه تعالى حيّ لا يفنى، باق لا يبلى، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وأمّا قوله -عزّ وجلّ-: ﴿فثمّ وجه الله﴾ أي فثمّ الله، لأنّ الله -عزّ وجلّ- لم يزل عالما بكلّ مكان لا يُحدّ، ولاينقض، ولا يجسّم، حيّ قيّوم، أزلي دائم، لا يفنى ولا يبلى، لا إله إلاّ هو سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا. وقيل: معناه فثمّ رضى الله لأنّ "ثمَّ" بمعنى هالك، وقد قال الله -عزّ وجلّ-: ﴿إنّما نطعمكم لوجه﴾ أي لطلب ثواب الله. وقيل: لطلب رضى الله، والله أعلم. ولا يجوز أن يوصف الله -عزّ وجلّ- بأنّ له وجها كوجوه الخلائق، ولا جوارحا كسائر الجوارح، جلّ وعزّ عن ذلك علوّا كبيرا. وقد شاهدت بعض الملحدين -قبّحهم الله ولعنهم- يزعمون أنّ لله رأسا فيقسمون به، تعالى الله عمّا تقوله الملحدة علوّا كبيرا. لأنّه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا يُشبّه بالأجسام، ولا يوصف بجوارح الأنام، ولا غيرها، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. والوجه من دون ذلك ينقسم على وجوه كثيرة: أحدها أن يراد به الشيء نفسه كقولك هذا وجه الآخر، ووجه الرأي، ووجه القوم والمتاع، وإذا أجزت عن الشيء بعينه وإنّي /81/ لأكره أن أردّ وجهك، أي أزدك لأنّه عنى بوجهه دون جسده، وتقول: كيف وجه العمل في هذا؟ أي كيف السبيل إلى التوصّل إليه، ويقال: لفلان وجه في شرفه، يراد به الانبساط ببلده والقدرة عند قومه، ويقال: فلان من وجوه قومه، أي من عظمائهم، ووجه الإنسان وغيره معروف، وجمعه وجوه وأوجه.