فواكه العلوم - غير تام
الجزء ١ · صفحة ٨٩فإنّ أحوال الناس مختلفة لا متّفقة ومؤتلفة. واقبل معذرتهم. وأقل عثرتهم. واغفر زلّتهم، فإنّك لا تجد الناجي من العيوب المبرّء من الذنوب، فإن طلبت صحبة من لا عيب فيه، فاتك الدهر من غير صاحب. وأنت أحوج الناس إلى الأصحاب، ولكن لكلّ هؤلاء مرتبة ومنزلة، فأنزل كلّ واحد منزلته، إلاّ السفلة، السفيه فاعطه الشدّة صَراحا. وإن استغنيت عن أحد فلا تبعده كلّ الإبعاد، وتفقّد حاله واسأل عنه، فإنّك لابدّ أن تحتاج له يوما ما، يكون لك جيبا غائبا حاضرا أخا شفيقا /161/ لا يرضى فيك المعائب، وإن كان عنك غائبا. وحاشاك من ذلك. وإن استغنيت عن أحد أو اعتذر إليك أخوك إن طلبته في أمر ترى أنّه من أهله فاقبل معذرته، ولا تبعده فإنّه أعلم بنفسه منك، والله أعلم به منك، ومن نفسه، وكِل أمره إلى الله، ولا تترك له من يؤذيه مقاله، ويكثر عليه من كلامه ووباله، فإنّ الكلام الشديد إذا صدر من ذويك، ومن تقوّى بسلطانك فذلك منك لا منه، والكلمة الشديدة تنفر منها القلوب، وتتبدّد منها الأجساد، فقد وصّى الله نبيّه-عليه السلام- بلين الجانب، وخفض الجناح للمؤمنين، فقال: ﴿ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾، وقال: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ وأمَره بالمشورة، وحثّهم عليها في غير موضع، وهو أكثر الناس عقلا، وأرجحهم رأيا، وأعلاهم درجة وأدبا صلّى الله عليه وسلّم. لأنّ ذلك من لين الجانب، وحسن التواضع للناس، فلا ذلّ ولا صغر من تواضع لله. ولا شاء وارتفع من تكبّر على الحقّ، وحاشاك، وحاشا كلّ مؤمن تقيّ من ذلك. وأحقّ الناس وأولاهم بالصبر واحتمال الأذى الملوك، لأنّهم على أمورهم قادرون، ولرقاب الرعية قاهرون، قد ملّكهم الله العباد لا ملجأ لهم من الله إلاّ إليه. وعندي لاشكّ أنّك عالم بالذي كتبت به إليك.