فواكه العلوم - غير تام
الجزء ١ · صفحة ٩٠لأنّك ملك من أبناء الملوك، تسوسون الرعايا، وتمارسون الأمور، لأنّ الملوك ممتحنون بذلك، فلابدّ لهم، ولا مخرج من ذلك، لأنّ الملوك أحوج الناس إلى سياسة الملك في رعاياهم، وأنّهم أكبر الناس عقولا، ورأيا، وسيرة، وسياسة، وأدبا من سائر الرعايا. وهم أمناء الله في أرضه على خلقه. ولكن المكاتبات بين المسلمين واجبة، والنصائح لازمة، تذكرة وتنبيها للملوك، لما فيه من كثرة الأشغال من معانات أمور الرعيّة، ومقاسات ما تجده من كثرة المعاندات والمخاصمات وخاصّة في هذا الزمان والله المستعان وهو حسبنا وكفى به حسيبا. واعلم -أيّها الإمام-أنّ الله سبحانه أحلّك محلاّ عاليا شامخا، وأنزلك منزلا شريفا باذخا، وملّكك طائفة من ملكه، وأشركك في شيء من حكمه، ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك، فلا ترض أنت أن يكون أحدا أولى منك بالشكر له، وأنّ الله سبحانه قد ألزم الورى طاعتك، فلا يكن أحد أطوع لله منك له، وليس الشكر باللسان، ولكن بالفعل والإحسان. قال الله تعالى: ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ واعلم أنّ هذا الذي أصبحت فيه من الملك، لم تبق له ولم يبق لك، ولو أنّه بقي لمن قبلك، لم يصل إليك، إنّما صار إليك بموت من كان قبلك. فاجتهد -رحمك الله- في /162/ طلب راحة رعيّتك تعبت نفسك وعناء مسكينك بمخمصة بطنك، تكن مع الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. واصبر على مرارة الصبرن واحتمل زلّة رعيتك، ووقّر كبيرها، وارحم صغيرها، وتفقّد أمورها، واسأل الله تعالى يمنّ عليك بتوفيقه لمرضاته، والصبر على ما ابتلاك من أمور عافا غيرك منها توصلك به مُلْكا دائما، ونعيما لا يزول في دار تبقى فيها الصحبة، ويذهب عن أهلها فيها النصب واللغوب.