الوضع يحيى الجناوني أبو زكرياء

كتاب الوضع للجناوني - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠

عبد الجبار الكندي قاضيا له، فقام الإمام الحارث بالأمر، وساس البلاد خير سياسة، وكان لهما شأن عظيم في صيانة البلاد من العبث والإخلال بالأمن وإقامة العدل.

وإذ كان أصحابنا أهل ثبات على منهج الخلفاء الراشدين، في التسامح والعناية بالعدل والعلم، والتحلي بالخلق الكريم، يفتحون صدورهم لكل من تقدم لطلب الحق، رأى الحاقدون أن يختلسوا منهما غرة لهدم الإمامة، فاغتالوهما، فوجد الناس سيف أحدهما في رقبة الآخر، وذلك من الفاعلين تعمية، وإيهام أن كلا منهما قتل الآخر، فيحصل الخلاف بين الناس. فتتفكك تلك الوحدة المتينة التي جعلت "نفوسة" وما حولها كتلة واحدة، لا تنفصم عراها، فكادت الطامة تقع لولا أن وفداً توجه إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري، لطلب حل لهذه المشكلة، فأفتى بأن يتركوا على الولاية الأصلية - لأن الأصل فيهم الولاية. والقضية في الأصل قصد بها إيجاد التفرقة بين تلك القوة العتيدة التي لم يفت في عضدها الجيوش الجرارة، فكان أول إمام بويع من أصحابنا بالمغرب هذا الإمام.

والذي ذكره البدر الشماخي أن ذلك كان عام مائة واحد وثلاثين من الهجرة والذي يبدو لي أن قبل ذلك بكثير، ثم بعد هذا العهد توالت الإمامة بالمغرب، ذلك النظام الإسلامي الذي انفرد به أصحابنا دون سواهم إلى يومنا هذا بالمشرق - عمان - منذ القرن الثاني.

و "نفوسة" كانت في عهد الإمامة قوة وسنداً لها، ولم تكن الإمامة في تيهرت تعتمد في قوة الأمن - الجيش والشرطة - إلا على نفوسة، وكذا مدد العلماء الأجلاء، وقد اشتهر علماء نفوسة بطول الباع في العلوم والتأليف، وامتلأت الخزائن في عصور مديدة بمؤلفاتهم في سائر العلوم العقلية والنقلية والرياضية، ما يصح أن يقال إنها مادة من الأندلس