الوضع يحيى الجناوني أبو زكرياء

كتاب الوضع للجناوني - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩

أن يحملهم على مقدمة الجيش، وكانوا منذ ذلك العهد خير عنصر مجاهد في سبيل الله، ففتح الله بالبربر سائر البلاد، وظهر منهم الإخلاص لله ولرسوله والوفاء والعمل بالدين. وفي أوائل القرن الثاني للهجرة المصطفوية صلوات الله وسلامه عليه، ظهر انتكاس في سيرة العمال الأمويين.

وكان عمر بن عبيد المرادي من عمال بني أمية وغيره أساؤا السيرة في البربر، يأخذون الخمس من المال ويزعمون أنه الفيء وهم مسلمون ويأخذون الأدم العسلية الألوان، وأنواع طرف المغرب. بل ذكر بعض المؤرخين أشنع من هذا، فكانوا يتغالون في جمع ذلك وانتخابه، حتى كانت الصرمة من الغنم - والصرمة ما بين عشرة إلى أربعين - تهلك ذبحاً لاتخاذ الجلود العسلية من سخالها، ولا يوجد فيها مع ذلك إلا الواحد.

فكثر عيثهم بذلك في أموال البربر، فأحس البربر أنهم طعمة للنهب، ورأوا أن أمثال تلك الأعمال تتنافى مع الإسلام، فأجمعوا الانتقاض، فثاروا ثورة عنصرية بعد أن بذلوا جهوداً في صرف العمال عن الظلم، بل وجهوا وفداً إلى الخليفة بالشام، فبقى مدة ينتظر الإذن له في مقابلة الخليفة ليبلغوا إليه شكواهم، فلم يؤذن لهم، هنالك وفد إليهم من البصرة وفد على رأسه سلمة بن سعد البصري من أصحاب الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري، فدعاهم إلى الحق، وأفهمهم أن ما يشاهدونه من الظلم هو من حيف الولاة لا دخل فيه للعرب ولا للإسلام، فإنه لا عصبية فيه. وبين لهم الهداية المحمدية الكاملة، فأخذوا بها وسكنوا لها، وتبين لهم الرشد من الغي، فانتشرت تلك الهداية التامة بين البربر إلى أقصى المغرب، فتمكن منهم الإسلام الكامل، مذهب أهل الحق والاستقامة.

فلما أنسوا من أنفسهم القوة والمنعة، بايعوا إماماً يسوسهم بالعدل والقسطاس، وانتخبوا الإمام الحارث الكندي واختاروا صاحبه