الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٥فلَو وُجِدت عَشر شَعرَات سودٍ أَو مَائة شَعرَة مثلاً فِي عَانة ابنِ سنتَين أَو ثَلاَث سِنين لاَ يُحكَم بِبلُوغه، اللهُمَّ إِلاَّ أن يَنشأ نَشأة خارقَة للعادَة، ويَكُون فِي ذَلِكَ الوقتِ بِمنزِلَة مَن يَبلُغ مِثله، لَكِن لا عِبرَة بالنادِر.
والأَصْلُ فِي الإنباتِ: حَدِيث بَنِي قُريظة حِين حَكَم سَعد بن مُعَاذ الأنصارِي أَن يَكشِفَ عَن الأطفالِ، فَمَن أَنبَت مِنْهُمْ قُتِل، ومَن لَمْ يُنبِت سُبِي، فكانَ مُحَمَّد بن كَعب القرظِي مِمَّن لَمْ يُنبِت فتَركه فِيمَا قِيلَ، وَالله أَعلَم.
واعترِضَ هَذَا الاِستِدلاَلُ بوجوه:
أَحَدهَا: أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُعارضٌ لقَولِهِ: ﴿وَالذِينَ لَمْ يَبلُغواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ﴾، ولِحَدِيث: «رُفعَ القلمُ عَن ثَلاَثةٍ - ذكر مِنْهم - الصبيُّ حَتَّى يَحتَلِم»، فَالآيةُ والْحَدِيثُ دَالاَّن عَلَى أَنَّ الْبُلُوغَ بِالاحتلامِ، وحَدِيث بَني قُريظَة مُعارض لَهُما.
وثَانِيهَا: أَنَّ حَدِيث بنِي قُريظَة مُختلِفُ الألفاظِ، فِي بَعْضِها أَنَّه أَمَرَ بِقَتل مَن جَرت عَلَيهِ الموسي، وَفي بَعْضِها مَن اخضرَّ عذَاره، ومَعلُوم أَنَّه لا يَبلُغ هَذَا الحال إِلاَّ وقد تَقَدَّمَ بلوغه، ولا يَكُون قد جرت عَلَيهَا الموسى إِلاَّ وَهُوَ رجلٌ كَبير.
وثَالِثُهَا: أَنَّ الإنباتَ يَدُلُّ عَلَى القوَّةِ البدنيَّة؛ فَالأَمْرُ بالقتلِ لذَاك لاَ للبلوغِ.
وَالْجَوابُ عَن الأَوَّل: أَنَّ بلوغَ الحلمِ فِي الآيةِ والْحَدِيثِ عِبَارَة عَن انتهاءِ /52/ الصبيِّ إِلَى حدِّ التَّكلِيفِ، فَالتعبيرُ بذَلِكَ جارٍ مَجرَى الأغلبِ المعتادِ فلا مَفهُومَ للفظِ الحلُم فلاَ مُعارضة.