الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٣٣ثُمَّ إن الاِستِدلاَل بالْحَدِيث عَلَى الْمَطلُوب مبحوث فيه بِأَنَّ الأَيَّام /23/ حقيقة في غَيْر ذلك، وأنّ حَملَه عَلَى هذا الْمَعْنَى حملٌ للفظ عَلَى الْمَجَاز من غَيْر قرينة تصرفه عن حقيقته، وهو مردود، وَاللهُ أَعلَم.
وحجَّة مَالِك عَلَى عدم التحديد بوقت مَحدود شيئان:
أحدهُما: أنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بيَّن علامة دم الْحَيْض وصفته بِقَوْلِهِ: «دَمُ الْحَيْض هُوَ الأَسْوَدُ الْمُحْتَدِمُ»، فمتى كان الدم موصوفا بِهَذِهِ الصفة كان الْحَيْض حاصلا، فيدخل تَحت قوله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾، وتَحت قوله - عليه السلام - لفاطمة بنت حبيش: «إذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضةُ فَدَعِي الصَّلاَة».
وثَانِيهِمَا: أَنَّهُ تَعَالَى قال في دم الْحَيْض: ﴿هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾، ذكر وصف كونه أذى في معرض بيان العلَّة لوجوب الاعتزال.
وَإِنَّمَا كان أذى للرائحة الْمنكرة التي فيه، واللون الفاسد، وللحِدِّة القوية التي فيه، وإذا كان وجوب الاعتزال معللا بِهَذِهِ الْمَعَانِي فعند حُصول هذه الْمَعَانِي وجب الاحتراز عملا بالعلَّة الْمَذْكُورة في كتابِ الله تَعَالَى عَلَى سبيل التصريح.
قال الفخر الرازي: وعندي أن قول مالك قوي جدا. وعارض أبو بكر الرازي قول مالك: بِأَنَّه لو كان المقدار ساقطا في القليل والكثير لوجب أن يكون الْحَيْض هو الدم الْمَوجُود مِن الْمَرْأَة فكان يَلزم أن لا يُوجد في الدنيا مستحاضة؛ لأَنَّ كُلَّ ذلك الدم يكون حَيضًا عَلَى هذا الْمَذهَب، وذلك باطل بإجماع الأمَّة.