الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٨٢- وإن كانَ دَخله لضرورة إلى الأكل، أو دخله لطاعة ثُمَّ وافقَ الأكل فهَاهُنا يَجُوز لَه الأكل فيه لِما يُروى من حديث عبد الله بن الحارث قال: «كُنَّا نأكلُ في الْمَسجِد عَلَى عهدِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الْخبزَ واللحمَ وهُو يَنظُرُ، وَرُبَّمَا أكَلَ مَعَنا». فَإن أصابَ الْمَسجِد مِن أكلِه وُعوثَة أَو ضَرر لَزِمه أن يزيل ذَلِكَ عنه.
وإن كانَ بِأكله يُشغِل الذاكرينَ فِيه لَمْ يَجز له أن يشغل الذاكرينَ، ولَزمه تَرك الأكل إِلاَّ إذا كان في ضَرورة لا يُمكنه التأخير، وذَلِكَ أن الذكر أَولى بالْمَسَاجِد من الأكل، وإن الضرورةَ يُباح معها ما لا يُباح في الاختيار.
واعلم أن ظَهر الْمَسجِد وصرحه في حُكم الْمَسجِد يُباح فيهما ما يباح في الْمَسجِد، ويَمتنع ما يَمتنع هنالك، وَرُبَّمَا تَولد الضرر عَلَى الْمَسجِد من الصعود عَلَى ظَهره فيمنع من ذَلِكَ لِخوف الضرر إِلاَّ لدفع ضرورة أشدّ، فَإنَّهُ إن تعارضت الضرورتان وَلَمْ يُمكن إِلاَّ ارتكاب أحدهما ارتكبَ أَقَلّهما ضررا، وَاللهُ أَعلَم.
ولاَ يَجُوز له أن يأكل ما فيه رائحة مؤذية كالثوم والبصل لِما رويَ عَنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «مَن أَكَلَ الثومَ أَو البَصَلَ أَو الكُرَاثَ فَلا يَقربَنَّ مَسجِدنَا؛ فَإنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتأَذَّى مِمَّا يَتأَذَّى مِنهُ بَنُو آدَم». وفي رواية: «مَن أَكَلَ ثومًا أَو فِجلاً فَليَعتَزِلْنَا، وَليَقْعُد في بَيتِه ولاَ يُصَلِّيَنَّ مَعَنا»، وَاللهُ أَعلَم.