الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٩٠في النهي عَن مسِّه إِنَّمَا هِي لأجلِ تَعظيمه واحترامه، وحَمله عَلَى هذا الوصف مُناف لِهَذِهِ الْحِكْمَة. وأجاز حَمله في التابوت والْخُرج والغرارة؛ لأَنَّ الْمَحْمُول في شَيْء من هَذا لا يقع اسم الْحَمْل عَلَيهِ إِلاَّ عَلَى سبيل التبعيَّة، وذَلِكَ أن الْحَمْل إِنَّمَا كَان للتابوتِ ونَحوه لا لِلمصحف نَفسه فارتفع الْمصحَف مع ارتفاع التابوت.
وَأَمَّا الشافعي: فَقد احْتَجَّ لَه بعض أصحابه بِأَنَّهُ إِنَّمَا أخذَ ذَلِكَ من صَريح قوله تَعَالَى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾. قال: ولَعَلَّه أَخذه /153/ مِن السُّنَّة؛ فإنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كتبَ إلَى عَمرو بن حزم: «لاَ يَمسُّ الْقُرْآنَ مَن هُو عَلَى غَيْر طُهرٍ». أو أخذه مِن الآية عَلَى طَريق الاستنباطِ. وقالَ: إنَّ الْمَسّ بطهرٍ صفة من الصفات الدَّالَّة عَلَى التعظيمِ، والْمَسُّ بِغَيْر طهور نوع إهانة في الْمَعْنَى وذَلِكَ؛ لأَنَّ الأضداد ينبغي أن تقابل بالأضداد. فالْمَسُّ بالطهر في مُقابلة الْمَسّ عَلَى غَيْر طهر، وترك الْمَسّ خروج عن كُلّ واحدة منهما. فكَذَلِكَ الإكرامُ في مُقابلة الإهانة، وهنالك شَيْء لاَ إكرام ولا إهانة فنقول: إنَّ من لا يَمسّ الْمصحَف لا يَكون مُكرما ولا مُهينا، وبترك الْمَسِّ خروج عَن الضدَّين، ففي الْمَسِّ عَلَى الطهر التعظيم، وفي الْمَسّ عَلَى الْحدَث الإهانة فلا تَجوز. قال: وهو مَعنى دَقيق يَليق بالشافعِي ومَن يَقرب منه بالدرجة.