الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٩٢وقال وغَسلها رَأس النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض دَلِيل عَلَى طهارتها، وطهارة الْمَاء الذي في يدها؛ لأَنَّ حُكم اليد حكم سائر البدن إِلاَّ مَوْضِعا فيه نَجاسة قائمة، وإذا لَمْ تكن هنالك نَجاسة مرئية أو مَحسوسة لَمْ يجب أن يتغيَّر حال الإنسان عن حكم حاله التي كان عَلَيهَا.
ويُجاب: بِأَنَّ الْمشدِّدين لَمْ يُشدِّدوا في ذَلِكَ لنجاسَة البدن بل يَعترفون بِطهارته، والتشديد إِنَّمَا جاء من قِبَل قياس الْمكتوب في الدراهم عَلَى الْمكتوب في الْمصاحف. وذَلِكَ: أنَّ الْمَنْع من مسِّ الْمصحَف للجنب والْحَائِض ثابت لتعظيم الْقُرْآن، فكَذَلِكَ ينبغي أن يكون الْمَسّ للدراهم الْمَذْكُورة.
وَأَمَّا الْمكرِّهُون: فلَعَلَّهم نَظروا إلى عظمة أسماء الله تَعَالَى فكرَّهوا مسَّها في الدراهم، وَلَمْ يثبت عندهم دَلِيل التشديد فلِذَلِكَ لَمْ يشدِّدوا.
وَأَمَّا الْمُرَخِّصُونَ: في مسِّ الْمصحَف وغيره فَقد تأوَّلوا قَوله تَعَالَى: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ وحَملوا ذَلِكَ عَلَى الإخبار عن الْمَلاَئِكَة.
والْجَوَاب: لا نُسلِّم أن الْمُرَاد بذَلِكَ الإخبار، بل نقول إن الْمُرَاد به النهي.
سَلَّمْنَا، فيجبُ أن يكون غَيْر الْمَلاَئِكَة في مسِّ الْمصحَف كالْمَلاَئِكَة، فلا يَمسه إِلاَّ الطاهر.
سَلَّمْنَا، فَالْحَدِيث عَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَمسُّ الْقُرْآنَ مَن هُو /155/ عَلَى غَيْر طُهرٍ» صَريح في النهي عن ذَلِكَ، وَاللهُ أَعلَم.
وَأَمَّا تَرخيص أبي حنيفة: في حَمل الْجُنب الصرَّة التي فيها الدراهم فيها السورة مِن الْقُرْآن فلَعَلَّه نَظر إلى حاجة الناس إلى ذَلِكَ القدر دون ما عداه، فرخَّص لَهم في ذَلِكَ للضرورة، ولا شكَّ أن ما فوق الصرَّة إذا احتيج إليه في حُكم الصرَّة، وَاللهُ أَعلَم.