الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٠٩إلاَّ أن يقدَّر في الآية مَحذوف، ويكون تقدير الكلام: «ولاَ تقربوهنَّ حَتَّى يَطهرن ويتَطهَّرن، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ» والحذف مَجاز، وحَمل الكلام عَلَى ظاهره عَلَى الْحقيقة أولى من حَمله عَلَى الْمَجَاز.
والْجَوَاب عن الأَوَّل: أن نقول إِنَّهَا طاهر غَيْر متطهِّر، والوطء إِنَّمَا أبيح بعد وجود شيئين الطهر والتَّطَهُّر لا الطهر وحده، وكَذَلِكَ الصَّلاَة إِنَّمَا أبيحت بَعد الطهر والتَّطَهُّر، وَلَمْ تبح قبله، وكونها مَأْمُورة بالصَّلاَة حتما لا يبيح فعلها للصلاة في ذَلِكَ الْحَال حَتَّى تغتسل.
وإذا كان الأمر بِالصَّلاَة غَيْر مبيح لها فعل الصَّلاَة إِلاَّ بعد الاغتسال، فكَيْفَ نستدلُّ به عَلَى إباحة الوطء قبل الاغتسال.
سَلَّمْنَا، أَنَّهَا تُسَمَّى طَاهرا فلا نسلم أنّ تسميتها بذَلِكَ تبيح لَها الأَحْكَام الْممنوعة للحائض، بل لا يبيح ذَلِكَ إِلاَّ الطهر والتَّطَهُّر، وَاللهُ أَعلَم.
والْجَوَاب عن الثاني من وجهين:
أَحَدُهُمَا: لا نُسَلِّم أن حمل الكلام عَلَى عدم التقدير والإضمار أولَى مطلقا، بل نَقول إن ذَلِكَ حيث لَمْ يكن مُحتاجا إلى التقدير؛ فَأَمَّا إذا كان الكلام لا يَستقيم إِلاَّ بالتقدير فلا بدَّ من تقدير ما يستقيم به الكلام، وذَلِكَ موجود في كثير من الآيات والأحاديث واللغة العربية، فلا معنى لاطِّراحه أصلا.
لا يُقال إن الكلام مستقيم بدون ذَلِكَ القدر الْمحذوف، وذَلِكَ أن نَحمل التَّطَهُّر عَلَى معنى الطهر فيحلّ الإتيان بعد الطهر ولو لَمْ تَتَطَهَّر؛ لأَنَّا نقول: إنَّ في حَمله عَلَى ذَلِكَ إلغاء لِمعنى التَّطَهُّر، فَإنَّهُ لا يكون إِلاَّ بكسب الْمُكلّف وفي إلغائه إسقاط لفائدة الآية من غَيْر ضرورة إلى ذَلِكَ، وحمل الْقُرْآن عَلَى تكثير الفوائد أولى من حَمله عَلَى تقليلها.