الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢١٠والْجَوَاب الثاني: أن قراءة التخفيف في قَوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ … ﴾ يُمكن /168/ جَمعها في الْمَعْنَى مع قراءة التشديد؛ لأَنَّ ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف عِبارة عن انقطاع الدم، وبالتثقِيلَ عبارة عن التَّطَهُّر بالْمَاء، والْجَمْع بين الأمرين مُمكن. وإذا أمكن الْجَمْع فلا معنى لاطِّراح إحدى القراءتين؛ لأَنَّه إسقاط لِلدَّلِيلِ بِغَيْر معارض، فوجب بقاء دلالة الآية عَلَى وجوب الأمرين، فيجب أن لا تنتهي هذه الْحرمَة إِلاَّ عند حصول الأمرين، وَاللهُ أَعلَم.
[و] حُجَّة أبي حنيفة قوله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ … ﴾ وذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى نَهى عن قربانِهنَّ، وجعل غَاية ذَلِكَ النهي أن ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بِمَعْنَى ينقطع حيضهنَّ، وإذا كان انقطاع الْحَيْض غاية لِهَذَا النهي وجب أَلاَّ يبقى هذا النهي عند انقطاع الْحَيْض. وهذه الْحُجَّة هي حُجَّة الأَوَّلين بعينها.
وأُجِيبَ عنها: بِأَنَّه لو اقتصر عَلَى قوله حَتَّى يطهرن لكان ما ذكرتم لازما.
أَمَّا لَمَّا ضمَّ إليه قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ صار الْمجموع هو الغاية، وذَلِكَ لِمنزلة أن يقول الرجل: لا تُكلِّم فلانا حَتَّى يدخل الدار، فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلِّمه؛ فَإنَّهُ يَجب أن يتعلَّق إباحة كلامه بالأمرين جَمِيعا.
قُلْتُ: والأولى في الْجَوَاب أن يقال: إن الآية عَلَى تَسليم أَنَّهَا دالَّة عَلَى ذَلِكَ، لا تَدُلُّ عَلَى التحديد الذي حدَّده أبو حنيفة بِأَنَّها إن رأت الطهر دون عَشرة أَيَّام لَمْ يقربها زوجها وإن رأته لعشرة أَيَّام جاز أن يقربَها قبل الاغتسال. فمن أين له هذا التحديد؟ فإن الْحُكْم فيما إذا رأت الطهر قبل العشر، وَأَمَّا إذا رأته عندها سواء، فالفرق متعذِّر، وَاللهُ أَعلَم.