الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٥فِيهَا نَذِيرٌ}، قَالُوا: فَأوجَبَ فِي الآيةِ الأولَى أَنَّ كلاًّ منها أُمَم أَمثالُنا، وأخبَر فِي الثانيَةِ بأنَّ لِكُلِّ أمَّةٍ نَبيًّا ونَذيرا، وذَلِكَ يُوجِبُ أَنَّ لِكُلٍّ منها نَذيرا، وأَنَّهُمْ مُكلَّفون.
وَأُجِيب: بأنَّ لفظَ الأُمَّة يُطلق عَلَى الْجَمَاعَةِ كمَا فِي قَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ أي: جَمَاعَة، ويُطلقُ عَلَى أَتباعِ الأنبياءِ - عَلَيهِم السلاَمُ -، ولذَلِكَ يُقَالَ: أمَّة مُحَمَّد، وأمَّة مُوسى - عَلَيهِما السلاَمُ -، وتُطلَقُ عَلَى الدينِ، قالَ الله تَعَالىَ حِكاية عَن المشركينَ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ يَعني: عَلَى دِين وملَّة، وتُطلَقُ عَلَى الْمُدَّة والزَمَانِ كَقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَلَئِنْ أخَّرنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾، وتُطلَقُ عَلَى القامَة، يُقَالُ "فلانٌ حسَن الأُمَّة" أي: حَسَن القامَة، فَقَولُهُ تَعَالىَ: ﴿إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ أي: إِلاَّ جَماعات أَمثالُكم فِي الخلقِ، وقَولُهُ تَعَالىَ: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أي: ما قَرْنٌ سَلَف إِلاَّ وقَد كانَ لَهم نَذير يُنذرُهُم؛ فَالأمَّة فِي الآيةِ الأولَى غَير الأُمَّة فِي الآيَة الثانيَةِ، إِذ الْمُرَادُ بِهَا فِي الآيَة الأولَى الجماعَة مُطلقا، والْمُرَادُ بِها فِي الآية الثانيةِ الْجَمَاعَة مِن البشرِ.
وثَانِيهَا: قَولُهُ تَعَالىَ حِكايَة عَن سُليمان - عليه السلام -: ﴿مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأَُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ قَالُوا: أوعَد بتَعذيبِه أَو ذَبْحِه إن لَمْ يَأتِه بِحُجَّة بَيِّنَة، وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى كَونِه مُكلَّفًا؛ لأَنَّ هَذَا الوَعِيدِ إِنَّمَا يَستحقُّه الْمُكَلَّفون، فَيَلْزَم من ذَلِكَ جَواز تَكلِيفِ الطيورِ، أَو يُوجِبُ حُسن تَعذيبِ مَن لا يَستحقُّه؛ فيَجُوزُ مِثل ذَلِكَ فِي تعذيبِ أطفالِ المشركينَ، أَو يَكُونُ ذَلِكَ ظُلما مِن سُليمان فَهو يُوجِبُ تَفسيقهُ وإجازَة تَعاطي الكبائرِ عَلَيهِ، وسَواء عَذَّبه من غَير استحقاقٍ، أَو واعدَه بذَلِكَ فإنَّ كُلَّ واحدةٍ منهمَا كَبيرة. قَالُوا: فأيُّ الثَلاَثِ اخترتُم كانَ مُبطلاً لِمذهَبِكم.
وَأُجِيب: بأنَّا إِنَّمَا نَمنَع مِن تَكلِيفِ الحيواناتِ الغير الْعُقَلاء معَ /64/ إزالةِ الْعَقْلِ عَنهم، وإعدامِ الفهمِ مِنْهُمْ؛ لأَنَّ تَكلِيفَ غَير العاقلِ الفاهمِ للمطلوبِ منه مُحال، وهدهد سليمان - عليه السلام - قيل: إِنَّه كان عاقلا مُكلَّفا من بين سَائر الحيواناتِ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ مُعجزَة لسليمانَ - عليه السلام -، ولذَلِكَ قالَ: ﴿مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ فَعرَّفَه بالألفِ واللامِ، ولَم يَقُل: "ما لِي لاَ أرى هُدهدًا"، ولَم يَذهب إِلَى الجنسِ عامَّة، وسَبيله سَبيل غُراب نوحٍ، وحِمَار عُزير، وذئب أهبَان بن أوس، كانَ لله فِيه تَدبير لِيجعَلَ هَذَا أجْمَع آيَة لأنبيائِه، وَهُوَ نَحو تكلُّم عيسى فِي المهدِ، ونُطق يَحيَى صَبيًّا بِالحكم.
وَقَالَ أبو عَلِيّ من الْمُعتَزِلَة: إِنَّ الهدهدَ كان بِمَنزلة المراهقِ الذِي يُقاربُ حالَ العاقلِ، فَجازَ ذَلِكَ منه عَلَى جِهة التأديبِ، كما يصحُّ من أحدِنَا تأديبُ المراهقِ فِيما يَعصي فِيه أباهُ وسيِّده، وقَد يُسَمَّى التأديبُ تَعذيبًا مَجازًا.