الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٦وَقيل: إِنَّ سُليمان لَمْ يُرِد وَعِيدَ الهدهدِ، وَإِنَّمَا أرادَ بذَلِكَ غَيره. وَقيل: إِنَّه لَمْ يُرِد وَعِيدَه، وَإِنَّمَا أرادَ تَعذيبَه بِنَتفِ ريشِه. وَقيل: حَبسُه عَن الطيرانِ بِقصٍّ وغَيره، حَيْثُ إنَّهُ فَارقَه من غَير أَمْرِه، وهَذَا جَائز فِي الطيورِ فَسمِّيَ عذابًا، وقَد تُضرَب الدوابُ والكلابُ للتَّعْلِيم والحثِّ عَلَى السيرِ فلاَ يُستَنكر ذَلِكَ، وَأَمَّا ذَبْحُه فَهو كانَ مُطلقا له كما كانَ مُطلقًا لنا فَسقَط بذلكَ تَعلُّقهم.
واحتجُّوا عَلَى تَكلِيفِ الجماداتِ: بِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾، وكذَلِكَ قَولُهُ تَعَالىَ: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، قَالُوا: فدلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الأَشيَاء تُسبِّح لله وتَحمدُه، وَهُوَ ما نقَولُهُ.
وَأُجِيب: بِأَنَّه لا يَخلو الخصمُ من أن يُريد بِقَولِهِ هَذَا أحَد ثَلاَثة أُمُور؛ لأَنَّهُ إِمَّا أن يُريدَ التسبيح والتحميدَ مِن حَيْثُ إنَّ هَذِهِ الأحوَال دالَّة عَلَى ذَلِكَ، وهَذَا الوجهُ مُسلَّم صَحيحٌ؛ لأَنَّ جَمِيعَ الكائناتِ دالَّة عَلَى وجودِ الله تَعَالىَ وتَنزِيهه، وَهُوَ الْمُرَاد من ظاهرِ الآياتِ، وَيَدُلُّ عَلَيهِ قَولُهُ تَعَالىَ: ﴿وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وَإِمَّا أَن يُريدَ بذَلِكَ تسبيحًا وتَحميدًا غَير مَعقول وهَذَا باطلٌ؛ لأَنَّ إثباتَ شَيْء غَير مَعقول فاسِد، ولأنَّ الربَّ تَعَالىَ خاطبَ الناس بِما يَعقلون، وَإمَّا أن يُريدُوا بذَلِكَ التسبيحَ والتحميدَ بالنطقِ كَتسبيحِ الإنسانِ العاقِل، وهَذَا باطلٌ من وُجُوه:
أَحَدهَا: أَنَّهُ لَو كانَ للجمادِ نُطقٌ لَمْ يَكُن بَيْنَ الجمادِ والحيوانِ فَرق، وَإِنَّمَا فرَّقنَا بَيْنَهمَا بأفعالِ الحيوانِ ونُطقهَا؛ وبذَلِكَ يُعرَف الفرقُ بَيْنَ الحيِّ والميِّت.