الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٥٥كان كَذَلِكَ فسد ما وطئه من الطريق ويطهر بزوال عين النجس وبطول الْمُدَّة؛ لأَنَّ الأرض تأكل النجس فتذهب به.
وكَذَلِكَ إذا ضربته الشمس أو الريح؛ لأَنَّ الشمس تفنيه والريح تقلِّب عاليه سَافله وتنقله من مكان إلى مكان، وكَذَلِكَ إذا يبس عَلَى قول أبي الْحَسَن في الْجِدَار؛ لأَنَّ الأرض لا تحمل خبث بني آدم، فمتى يبس الْمَوْضِع وكَانَتْ ذات النجاسة غَيْر قائمة رجع الْمَوْضِع /204/ إلى حكم الطَّهَارَة.
وَيَدُلُّ عَلَى هذا كُلّه ما يروى عن ابن مسعود قال: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ولاَ نَتَوَضَّأَ مِنَ الْمُوطئ» (يعني: الْمَوْضِع الذي يطؤونه بأقدامهم). وفي رواية و «كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لا يَتَوَضَّأ مِن مُوطِئ».
وإن وطئ الكلب في مَوْضِع ثري نَجَّسه؟ قِيلَ: وكَذَلِكَ أثر كُلّ سبع، فإن يبست أثره؛ فقِيلَ: طهر الْمَوْضِع بذَلِكَ. وقِيلَ: ما دامت أثره قائمة لَمْ تطهر حَتَّى يذهب الأثر، والصحيح الأَوَّل؛ لأَنَّ صورة الأثر في الأرض ليست بذاتٍ نَجسة حَتَّى لا يطهر الْمَوْضِع إِلاَّ بزوال الذات، وَإِنَّمَا هي علامة انتقشت من وضع الرجل أو اليد عَلَيهَا وأصل تلك الأثر من الأرض لا من الكلب. فلو وطئ عَلَى الأرض اليابسة وهو يابس لا ينجِّسها، فقد علمت أن نفس النقش ليس بنجس، وَإِنَّمَا النجس هو الثَّرْي الْملاقي لِجلد الكلب؛ فإذا زال الثَّرْي وجب الْحُكْم بالطَّهَارَة عَلَى مَذْهَب من يرى الطهر باليابس فقط، وحتى تضربه الشمس أو الريح عَلَى مَذْهَب من يشترط ذَلِكَ، وحتَّى يضرباه معا عَلَى مَذْهَب من يرى أن الواحد منهما لا يُجزِئُ، وحتَّى يُغسل بالْمَاء عَلَى مَذْهَب من يَرى أنَّ هذا كُلّه غَيْر مطهِّر.
فلا معنى للقول بطهارة الْمَوْضِع إذا زالت أثر الكلب وهو نَجس