الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣١قال أبو ستَّة -رحمه الله-: يَعنِي أَنَّ وُجُودَ هَذِهِ الأَشيَاء لَيسَ منها بَل مِن غَيرها، وَإِلاَّ لَزم الْمُحَال وَهُوَ اجتماعُ أَمْرَين مُتنافيين وهُما الاستواءُ والرجحَان بلاَ مُرجِّح.
وبَيَانُه: أَنَّ وُجُودَ كُلّ فَرد من أفرادِ العَالَم مُساوٍ لعدمِه، وزَمَان وُجُودِه مُساوٍ لغيرِه مِن الأزمنَةِ، ومَكانه الذِي اختصَّ به مساوٍ لغيرِه من الأمكنَةِ، وصفاتِه التي اختصَّت به مُساويَة لغيرها من الصفاتِ، فهذه أنواعٌ كُلُّ واحد منها فِيه أَمْرَان مُتساويان فلَو وجدَ أَحَدهُما: بنَفسِه بلاَ مُحدِث لترجَّح عَلَى مُقابِله مَع أَنَّهُ مُساو لَه، إذ قُبول كُلِّ جُرم لَهمَا عَلَى حدٍّ سوَاء، وقَد لَزم أَن لَو وجد شَيْء من العَالَم بنفسِه بلاَ موجُود لَزم اجتماعُ الاستواءِ والرجحانِ المتنافيين وذَلِكَ مُحَال، فثبَت أَنَّ غَيرهما وَهُوَ الْحَقُّ جلَّ وعَلا هُو الذِي خصَّ كُلّ فَرد من أفرادِ العَالِم بِما اختصَّ به، فلَولاه ما وُجد شَيْء من العالَم لِلمُحال المذكور، فسبحانَ مَن أفصح بوجوب وُجودِه افتقارُ الكائناتِ كُلِّها إِلَيْهِ.
قال الفخرُ: يُروَى أَنَّ بَعْضَ الزنادقَة /68/ أَنكَر الصانعَ عندَ جَعفَر الصادِق، فقالَ جَعفَر: قَد رَكِبتَ البحر؟ قَالَ: نَعم. قَالَ: هَل رأيت أحواله؟ قَالَ: بلَى، هَاجَت يومًا رياحٌ هائلَة فكسرَت السفنَ، وأَغرقَت الملاَّحِين، فتَعلَّقتُ أنَا بِبَعْضِ ألواحِها، ثُمَّ ذهبَ عَنِّي ذَلِكَ اللوحُ فإذَا أنا مَدفوعٌ فِي تَلاطم الأمواجِ حَتَّى دُفعت إِلَى الساحلِ.
فقالَ جَعفر: قَد كانَ اعتمادُكَ من قَبْل عَلَى السفينةِ والملاَّح، ثُمَّ عَلَى اللوحِ حَتَّى يُنجيكَ، فَلَمَّا ذَهبَت هَذِهِ الأَشيَاء، عندَها أسلمتَ نَفسك للهلاكِ أَم كُنتَ تَرجو السلاَمَة بَعْد؟ قَالَ: بَل رَجوتُ السلاَمَة. قَالَ: مِمَّن كُنت تَرجوهَا؟ فسَكتَ الرجُل. فقالَ جَعفر: إِنَّ الصانعَ هُو الذِي كُنتَ تَرجُوه فِي ذَلِكَ الوقتِ، وَهُوَ الذِي أَنْجاكَ مِن الغرقِ، فأسلَم الرجلُ عَلَى يَده.