الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١١فإذَا تقرَّر لك حِرمة الْخِنْزِير عَرفت أن جعل الضمير مِن قوله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ عَائد إلى الْخِنْزِير أولَى مِن حيث الْمَعْنَى، وذلك أن تَحريم اللحم قَد استفيدَ مِن قوله تَعَالَى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ فَلو عاد الضمير عليه لَلزم خُلوّ الكلام مِن فائدة التأسيس، فَوجب عَوده إلى الْخِنْزِير ليفيد تَحريم اللحم والكبد والطِّحال وسَائر أجزائه.
ولو سَلَّمْنَا أن الضمير عَائِد إلى اللحم خَاصَّة لَما أفاد ذلك /243/ تَحليل ما عدا اللحم لِما قدَّمنا من الأَدِلَّة عَلى تَحْرِيم الْخِنْزِير كُلّه، والله أعلم.
وقد ذكرتُ في بعض الرسائل: أن الضمير من قوله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ عَائِد إلى جَمِيع الْمَذْكُور في الآية من الْميتة والدَّم الْمسفوح ولَحم الْخِنْزِير، وجَعلت ذلك دليلا على نَجَاسَة الْجَمِيع، وهو وجه حسن وإن أهْمَله الْمُفسِّرون، والله أعلم.
وإذا ظَهَر لك ما قرَّرناه من حِرمة الْخِنْزِير عرفت أَنَّهُ لا يَجُوزُ اقتناؤه ولاَ الانتفاع به؛ لأَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَد أمر بِقتله وأن بَيعَه حَرام؛ لأَنَّ الله تَعَالَى إذا حَرَّم شيئا حرَّم أكل ثَمنه.
وفي الْحديث عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الله - عز وجل - حَرَّمَ الْخَمرَ وثَمنهَا، وَحَرَّمَ الْميتَةَ وَثَمنهَا، وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وثَمنهُ». وفي الْحَدِيث أَيْضًا أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن بَاعَ الْخَمرَ فَلْيُشَقِّصْ الْخَنَازِير». قالَ الدّميري قال الْخطابي: مَعناه فَليستحلَّ أَكلها. وقال في النهاية: مَعناه فَليُقَطِّعهَا قطعا ويُفصِّلها أَعضاء كما تفصَّل الشاة إذا بيع لَحمها. والْمَعْنَى: من استحلَّ بيع الْخَمْر فَليستحلّ بيع الْخِنْزِير، فَإِنَّهُما في التَّحْرِيم سَواء، وهذا لفظ أَمر، ومعناه: النهي، تقديره: مَن باع الْخَمْر فَليكن لِلخنازير قَصَّابًا، انتهى.
وَاخْتَلَفُوا بَعد ذلك في أمور: