الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٩بالبول فيه، والأقرب أن يكون ذَلِكَ في ابتداء الْحال على أصل الإباحة، ثُمَّ ورد الأمر بتكريم الْمَسَاجِد وتطهيرها، وجعل الأبواب عليها.
وأجاب غَيْره: باحتمال أن بولَها خفي مكانه، فمن تيقَّنه لَزمه غسل لإِجْمَاع الْمُسلِمِين على أن بول الْكِلاَب نَجس، وعلى وجوب الرشِّ من بَول الصبِيِّ والْكَلْب أولَى، فظهر أن حديث ابن عمر على غير ظاهره كما بَيَّنَّاهُ، وَاللهُ أَعلَم.
احتَجَّ القائلون بطهارة الْكَلْب الْمُكَلِّب دونَ غَيْره: بقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ قالوا: ولم يذكر غسل موضع إمساكها.
قلنا: لَمْ يذكر في الآية غسل الدَّم منها فيلزمهم القول بطهارة دم الصيد أَيْضًا، وإذا لَمْ يسلِّموا ذَلِكَ لَزمهم ضمّ دليل إلى الآية يَدُلُّ على نَجَاسَة الدَّم، فنجيء نَحن أَيْضًا بالدليل الذي ذكرناه في نَجَاسَة الْكَلْب مطلقا.
قال أبو مُحَمَّد: "لا ينتقل الْكَلْب بصيانة أهله عن حكم الْكِلاَب"، ومعناه: أن جنس الْكَلْب لا يتحوَّل لتحوُّل الصفات كالنَّجَاسَة الْجامدة لا تنتقل عن أصلها ما دامت ذاتُها موجودة، وَاللهُ أَعلَم.
وَأَمَّا القائلون بطهارة الْكَلْب الْمَأذُون في اتِّخَاذِه، فقد احتَجُّوا بظاهرِ قَوله تَعَالَى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وهي حُجَّة القائلين بطهارة الْكَلْب الْمعلَّم، وَكَأَنِّي بِهم يقولون: إِنَّه لا فرق بين الْكَلْب الْمعلَّم وغيره مِمَّا أبيح لنا اقتناؤه للمنفعة؛ لأَنَّه إذا /257/ قيل بطهارة الْكَلْب الْمُعَلَّم لِجواز اقتنائه وجب أن يقال ذَلِكَ في جَمِيع ما جاز اقتناؤه من الْكِلاَب على حدٍّ سواء، وهو