معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٦٣

وتقرير ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمَّا بيَّن - سبحانه وتعالى - أن التَّحْرِيم والتحليل لا يَثبت إِلاَّ بالوحي قال لنبيِّه: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أي: على آكل يأكُله. وذكر هذا ليظهر أن الْمُرَاد منه بَيَان ما يَحلّ ويَحرم من الْمأكولات؛ فقوله تَعَالَى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا … ﴾ مبالغة في بَيَان أَنَّهُ لا يَحرم إِلاَّ هذه الأربعة الْمَذْكُورة في الآية.

وأَيْضًا: فهذه السورة مكِّيَّة قد بيَّن الله فيها تَحْرِيم هذه الأشياء، وَأَنَّهُ لا مُحرم من /281/ الْمأكولات غَيْرها. ثُمَّ أكَّد ذَلِكَ في سُورة النحل وهي مَكِّية أَيْضًا بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

وكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ تُفيد الْحصر، قالوا: فقد حصلت لنا آيتان مكِّيتان تَدُلاَّن على حصر الْمحرَّمات في هذه الأربعة، ثُمَّ بيَّن في سورة البقرة وهي مدنية، أَنَّهُ لا مُحرّم إلاَّ هذه الأربعة فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ﴾، وكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ تفيد الْحَصْر فَصارت هذه الآية الْمَدنيَّة مطابقة لتلك الآية الْمَكِّية؛ لأَنَّ كلمة ﴿إِنَّمَا﴾ تُفيد الْحَصْر فهي مُطابقة لِقَوْلِهِ " ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْم خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ … ﴾، ثُمَّ ذكر - سبحانه وتعالى - في سورة الْمائدة قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.

وَأجمع الْمفسِّرون على أن الْمُرَاد بقوله: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾

١٬٣٩١ / ٥٬٣٨٩