معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٦٦

وَلَمْ يُراعه بِوجه من الوجوه، فَإِنَّهُ قد قرّر أَوَّلاً الاستدلال على ثبوت الْحَصْر في تَحْرِيم الأنواع الأربعة، وأن الشريعة أَوَّلاً وآخرا مُتَّفِقة على ثبوت ذَلِكَ الْحَصْر.

ثُمَّ نُوقش بأنَّ الْحَصْر غَيْر مسلَّم لِما ثبت من الْمُحَرَّمَات مِن غَيْر تِلك الأربعة، مِن نَحو النجاسات والْخَمْر وغيرها.

فأجابَ بادِّعاء دخول بعضها تَحت عموم الْعِلَّة مِن قوله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، وأنَّ بعضها مُخصَّص بآيات أُخر، وأحاديث عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ حَاول الْجمع بين ما نقل من الْمُحَرَّمَات مِن غَيْر الأربعة، وبين قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ … ﴾ الآية، فَحَملها مَرَّة على زمان الوحي، وأخرى على العموم الْمخصّص إلى غَيْر ذَلِكَ.

وهذا كُلُّه ناقض للحصر الذي ادَّعاه في أَوَّل مَرَّة، ومؤكِّد لاعتراض خَصمه عليه. وبَيَان ذَلِكَ: أَنَّهُ إذا ثَبت أن النجاسات دَاخلة تَحت التعليل بقوله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ فَقَد جَمعت آية الأنعام أشياء مِن الْمُحَرَّمَات لَمْ تَكن في آية البقرة، ولا في آية الْمَائِدَة فَينتقض التأكيد الذي ادَّعَاه، وَأَنَّهُ على وِفق واحد، وكَذَلِكَ إذا ثبت تَخصيص الآية بأَدِلَّة أخرى فَقد خَالفت نظائرها وخرجت عَن حدِّ الْحَصْر الذي كان يَدَّعيه، والله أعلم.

والوجه الذي ينبغي أن يُحمل عليه كلام الله تَعَالَى في قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ … ﴾ الآية، ونَظائرها أن يقال: إنَّ الْحَصْر إضافي لا حقيقي، وذَلِكَ أَنَّهُ حصر الْمُحَرَّمَات من الْحَيوَانات الْمأكولة في الْميتَة والدَّم ولَحْم الْخِنْزِير والْمَذبوح لغير الله، وهذا /284/ الْحَصْر لا يوجب إباحة السباع ولا غَيْرها؛ لأَنَّ العرب لَمْ تتعوَّد أَكلها.

١٬٣٩٤ / ٥٬٣٨٩