الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٧٠وبَيَان ذَلِكَ: أَنَّهُ لو لَمْ /286/ تَكن أَسآرِ السباع نَجسة لَمْ يَكن للتقييد بالقلَّتين مَعْنَى.
واحتَجَّ أبو مُحَمَّد عَلى من قال بتَحْرِيم لَحْم السباع وطهارة أَسآرِهَا بِقياس السباع على الْخِنْزِير، وذَلِكَ أَنَّهُ قال لَمَّا رَأينا الْخِنْزِير حراما لَحْمه ولبنه، وسؤره نَجس بإِجْمَاع، وجَب أن يكون كلّ مَا حَرُم لَحْمه ولبنه من السباع فسؤره نَجس. قال: فإن قال: إنَّكم تُجوِّزون سؤر السنُّور وتُحرِّمون لَحْمه وهُو سبع، ونَحن أَيْضًا جوَّزنا سؤرها وحرَّمنا لَحْمها، قيل له: ليس يَلزمنا هذا في السباع؛ لأَنَّ السباع لا بلوى علينا بِها، ولا نَكاد نبتلى بِها كالسنُّور الذي خفِّفت الْمِحنة عنَّا به لأجل البلوى بِه، وَاللهُ أَعلَم.
وقُلْتُ: وهذا الاحتِجَاج إِنَّمَا يستقيم على من اعترف بنَجَاسَة الْخِنْزِير ونَجَاسَة سؤره. وقد نقل عن مالك أَنَّهُ يُخالف في نَجاسته، وعِنْدَهُ أن كُلَّ حيّ طاهر. وقال النووي من الشافعية: ليس لنا دليل على نَجاسته، بل مقتضى الْمَذهَب طهارته كالأسد والذئب والفأرة؛ فدعوى الإِجْمَاع على نَجَاسَة الْخِنْزِير لا يُسلِّمها خصمه، فلا يستقيم عليه الاحتِجَاج، وَاللهُ أَعلَم.
واستدلَّ القائلون بطهارته: بِما روي عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عمر بن الْخَطَّاب - رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن السباع تَرِد الْحِياض وتَشرب منها: فَقَالَ رسول الله -