الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٩٢وأقول: إن السفح في أصل اللغة الانصباب، فكلُّ دم خَرج بانصباب فَهو سافح أي مُنصَبّ، فإن كان خروجه بنحو جرح فَهو مسفوح، أي: مصبوب.
فإذا نظرت إلى التسمية في أصل اللغة رَأيت قول عمر بن الْمفضل هو الْمُوافق /302/ لَها، وليس قوله ما قطع الْحديد شرطا لذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذكر الْحَدِيد؛ لأَنَّ أغلب القطع يكون به، وَإِلاَّ فبأيِّ حالة حصل القطع فهو سفح.
وإن نظرت إلى الْمَعْنَى الشرعي في الْحُكْم على نَجَاسَة الدَّم رأيت ما قاله عبد الْمقتدر والْمسبح مطابقا له، فإن أَدِلَّة الشرع حاكمة بنَجَاسَة ذَلِكَ النوع من الدِّمَاء.
ووصف السفح في قوله تَعَالَى: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ ليس قيدا للدم الْمحرَّم، وَإِنَّمَا ذكر جريا على الأغلب عند العرب من أحوال الدِّمَاء، ونصًّا على الواقعة التي اعتادوا فيها أكل الدَّم، فَإِنَّهُم إِنَّمَا يأكلون الْمَسْفُوح منها.
وَأَمَّا قول هاشم الْخراساني: "فلا أعرف وجهه"؛ لأَنَّ اللغة تَأباه، وأَدِلَّة الشرع تتَناوَل دم العروق وغيرها.
وَأَمَّا القول: "بأن الْمَسْفُوح دم كُلّ جرح طريٍّ" فهو داخل تَحت قول عمر بن الْمفضل، لَكِنَّه قيِّد بالطريِّ ليخرج الدَّم الْخَارِج من الْجُرح القديم، فَإِنَّهُ غَيْر مسفوح عِنْدَهُ، وهو ظاهر؛ لأَنَّ الدَّم الْخَارِج منه بعد أن صار قديما لَمْ يَخرج بنفس الْجراحة، وَإِنَّمَا خرج بنفسه لرخاوة الْموضع فلا يستحقُّ اسم مسفوح.