الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٤٥وَأَمَّا ثالثا: فإن القرآن العظيم والنبيَّ الكريم يُعبر مَرَّة بِما يوافق أصل اللغة، وأخرى بِما عليه عرف الشرع، كما في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وقوله تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ فإنَّ الصلاة في الآية الأولى بِمَعْنَى الدعاء بالْخَير وهو مَعناه اللغوي، وفي الآية الثانية بِمَعْنَى العبادة الْمَخصُوصة وهو عرف شرعي، ومثل هذا كثير، وَاللهُ أَعلَم.
لكن بقي هَاهُنَا إشكال: وهو أن الْمُصَنِّف كَأصله استثنَى من عموم الْميتَة شَيئين، وهُما في الشرع غَيْر ميتة:
أَحَدُهُمَا: الصيد إذا مَات قبل أن يُدرك ذبْحه، فَإِنَّهُ في الشرع مذكَّى، وذكاته تَوجيه الْجارح أو السهم أو إمساك الْكَلْب.
وثانيهما: ولد الْمُذكَّاة الذي يَخرج من بطنها بَعد الذكاة؛ فإن ذكاته في الشرع ذكاة أمِّه فَهو على هذا غَيْر ميتة.
ويُدفَع هذا الإشكال: بأن نَقول: إن مراد الْمُصَنِّف بَيَان حُكم ذَلِكَ مَع قطع النظر عن تسميَّتِه ميتة أو مذكَّى.
وسُوِّغ ذَلِكَ أن العوام يعتقدون أن الذكاة خاصَّة بقطع الْحلقوم والوريد، ووقع في أوهامهم أن ما عدا ذَلِكَ ميتة، فناسب أن يبيّن لَهم أَحْكَام ما يَحل مِن ذَلِكَ وما يَحرم، وَاللهُ أَعلَم.