الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥وذهبَ العراقيون إِلَى أَنَّه: الحيض، وَلِكُلٍّ منهما شَاهدٌ مِن الحديثِ واللغَة.
وَأَمَّا اللفظ المشترك: الواقع عَلَى معان مُختلفة غَير مُتضادة: فنحو قوله تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ذَهبَ قَوم إِلَى أَنَّ "أَو" هنا للتخيير؛ فقالوا: السلطان مُخيَّر فِي هَذِهِ العقوبات، بأن يَفعل بِقاطِع السبيل أَيُّهَا شَاء، وهو قول الحسن وعطاء، وبه قَال مالك. وذهب آخرون إِلَى أَنَّ "أَو" هنا للتفصيل والتبعيضِ، فمَن حاربَ وقتلَ وأخذَ المال صُلِبَ، ومن قَتلَ ولَم /4/ يَأخذِ المالَ قُتِل، ومَن أخذَ المالَ ولَم يَقتُل قُطِعَت يدُه ورجلُه، وهو قول أبي مِجْلَز وحَجَّاج بن أَرطَأَة عن ابن عباس، وبه أخذ الشافعي وأبو حنيفة، قُلْتُ: وهو مذهب أصحابنا.
وَأَمَّا اشتراك العارضِ مِن قِبَل اختلافِ الكلِمَة دونَ الموضوعِ: فمثل قولِه تَعَالىَ: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾، قال قومٌ: مُضارَّة الكاتبِ: أَن يَكتُب ما لَم يُملَ عَلَيهِ، ومضارَّة الشهيد أن يَشهد بِخلافِ الشهادَة.
وَقالَ آخَرونَ: مُضارَّتهمَا أن يُمنعَا مِن استقلالِهما ويكلَّفا الكتابةَ والشهادَة فِي وقت يَشقُّ ذَلِكَ عَلَيهِما.
وَإِنَّمَا أوجبَ هذا الاختلاف أن قوله تَعَالىَ: ﴿ولاَ يُضَارَّ﴾ يَحتملُ أن يَكونَ تقديرُه "ولاَ يُضَارَّ" (بفتح الراء)، فَيلزَم عَلَى هذا أن يكونَ الكاتبُ والشهيدُ مفعولاً لِمَا لَم يُسمَّ فَاعلُهما، وهكذا كانَ يَقرأُ ابنُ مسعود بإظهارِ التخفيفِ وفتحِ الراءِ، ويَحتملُ أن يكونَ تَقديرُه "ولا يُضَارِر" (بكسر الراء) فَيلزم عَلَى هذا أَن يَكونَ الكاتبُ والشهيدُ فَاعلَين، وهكذَا كانَ يَقرأ ابنُ عمر بإظهارِ التخفيفِ وكسرِ الراءِ.
وَأَمَّا الاشتراك العارض من قبل تركيب الكلام وتناقض بَعض الألفاظ عَلَى بَعض فإن منه ما يدل عَلَى معان مختلفة متضادة، ومنه ما يدل عَلَى معان مختلفة غَير متضادة، فمن النوع الأَوَّل قوله تَعَالىَ: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ