معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

الْمَسأَلة الثالثة: فِي صِفَةِ قِيَام الْحُجَّةِ بالْمَسمُوعَات

اعْلَمْ أَنَّ الْمَسمُوعَات نَوعَان: أَحَدهُما: لا يَسَعُ الْمُكَلَّف جَهلُه لوُجُوبه عَلَيهِ، بِبَيَان بَيَّنَه الله لَه أَو إجمال سَمعه، أَو ارتكابٍ ارتكبَه حَيْثُ لا يَحلُّ له.

وثانيهمَا: يَسَعُه جَهْلُه لعَدم هَذِهِ الأحوالِ فِيه.

فأمَّا النَّوعُ الأَوَّل: فَهَو مَعْرِفَة ما أوَجَبَ رَبُّنا تَعَالىَ عَلَى خَلقه أَن يَعرفوه من التَّشَهُّد بكلمَةِ التوحيدِ، ومَا أشبه ذَلِكَ منَ الأَسْمَاء والصِفَات، وكالعباداتِ البدنيَّة التي قَد ضاقَ وَقتها وقَد قَامَت عَلَى الْمُكَلّفِ حُجَّة فَرضِيَّتها، لَكِن لَمْ يعلَم كَيفيَّة أدائهَا، وكَارتِكاب الْمُحَرَّمَات بَعْدَ قِيَام الْحُجَّةِ بوُجُوب تَركهَا، فَهذه الأَشيَاء ومَا أَشبههَا يَضيقُ عَلَى الْمُكَلَّفِ جَهْلُها، وتقومُ عَلَيهِ الْحُجَّةُ بعلمهَا مِن جَمِيع الْمعبِّرين، سَواء كانَ المعبِّر ثقَة أَو غَير ثِقة، مُسْلِمًا أَو غَير مُسلِم إِذَا عبَّر لَه الْحَقَّ فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّ الْحَقِّ هو الْحُجَّةُ، وقَد أجراهُ الله عَلَى لسانِه حَتَّى قِيلَ: "إِنَّه تقومُ الْحُجَّة من لِسان طائر".

وَكَذَا إِذَا رَآه مَكتوبا فِي حائطٍ فَفهم مَعناه، أَو رَآه فِي المنامِ فَعرَف وجه ذَلِكَ؛ لأَنَّ الْحَقَّ إِنَّمَا يَكُونُ حجَّة بنفسِه فيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّف به قبولُه.

وَقيل: إِنَّ الْحُجَّةَ فِي العباداتِ المؤقَّتة لا تقومُ إِلاَّ مِن ثِقَة، فلاَ تَقُومُ الْحُجَّة بعِبَارَة المشركِ والفاسقِ، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ

١٥٦ / ٥٬٣٨٩