الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٨العلم أقل من أربعة لَزمنا قبول إقامةِ الحدِّ عَلَى الزانِي مِن أقَلّ مِن أربعَة، والربُّ تَعَالىَ اعتبر شهادة الأربعَة فِي هَذَا الْمَعْنَى .. وبَيْنَ قبولِ الْعِلْم فِي الحدودِ وبَيْنَ وُجُوبِ إقامتهَا فَرقٌ لاَ يَخفى عَلَى ناظرٍ بعينِ الصواب، وَالله أَعلَم.
- وَفي قولٍ رَابِع: إِنَّ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ لا تَقُومُ إِلاَّ بِمن تَقُومُ به حُجَّة الشهرةِ، ولا يَجُوزُ عَلَيهِم الغلَط من الْخَمْسَة إِلَى العَشرَةِ، وكأنَّ هَؤُلاَء لَمْ يَروا ثُبوت الْعِلْم لازمًا إِلاَّ من طَرِيق التواترِ، وكأَنَّهُمْ لا يُوجِبُون قبولَ خَبر الآحادِ، ولا يَخفى أَنَّ السَّلَفَ من الصَّحَابَة والتَّابِعِين ومَن بَعْدهم كَانُوا يقبلُون خَبر الآحادِ، وقَد كانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يُرسل آحادَ الرجَال إِلَى أطرافِ الأَرْضِ يُعلِّمونَهم شرائعَ الإِسلاَم، وفيها ما هو لازِم لَهم فِي حالِهم ذَلِكَ، وَفيها ما لَمْ يَلْزَمهُم بَعْد، فلَو لَمْ يَكن فِي ذَلِكَ حُجَّة إِلاَّ من كَانُوا بِحدِّ الشهرَة لأَرسلَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الآفاقِ عَددا لا يَجُوزُ عَلَيهِم التواطؤ عَلَى الخطأ.
ثُمَّ إِنَّ إرسالَ مَن كان عَلَى هَذَا الحالِ بَعيد جدًّا؛ لأَنَّهُمْ إن جَاءوا مُجتمعين يحتملُ اتِّفَاقهم عَلَى الكذبِ فِي الْعَادَة، وإن جاءُوا مُتَفَرِّقين فالواحدُ مِنْهُمْ مُخبر بِخبَر واحد، ثُمَّ لَمْ يَكن رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُرسل إِلَى الآفاقِ رَسُولاً بَعْد رَسُولٍ، وهَذَا كمَا تَرى يَدُلُّ عَلَى ثبوتِ الْقَوْل بأنَّ العَالِم الواحدَ حُجَّة فِيما يَسَعُ جَهْلُه.
- وَفي قولٍ خامِس: إِنَّ الْحُجَّةَ لا تَقُومُ عَلَيهِ فِي ذَلِكَ بِقَول أحدٍ من المعبِّرين حَتَّى يَعلمَه هُو كعلمِ العَالِم به، ويَنشرحُ له صَدرُه، /84/ ويتَّضح له صَوابه فحِينَئِذٍ يَكُونُ عِلمُه حُجَّة عَلَيهِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فيَسَعُه جَهْلُه به وشكُّه فِيه، ولا يَنقطعُ عُذرُه ما لَمْ يَعلمهُ كَعِلم العُلَمَاء به، وهَذَا إِنَّمَا يتأتَّى فِي