الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٩الأَشيَاءِ المستنبَطَة، والأَحْكَامِ المستخرجَة، ولاَ يتأتَّى فِي الْعُلُومِ المنقولَة عن الشارعِ الهادِي -صَلوات الله وسلامُه-، وَهُوَ ظاهِر الصوابِ فِي ذَلِكَ البابِ.
وَأَمَّا الأَشيَاءُ التي لا تَكُون من بابِ الاستنباطِ والاستخراجِ فقَول العَالِم فِيها حُجَّة، إِذَا كانَ مشهورَ الفَضْلِ والعدلِ عَلَى مَن شَهر مَعه عِلمُه وفَضْلُه وفاقًا لأبِي سَعِيد - رضي الله عنه -.
والْحُجَّةُ لنا عَلَى ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، فذكَر - سبحانه وتعالى - لنبِيِّه أَنَّهُ مُنذر وأنَّ لِكُلِّ قومٍ هادِيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الهادِي حُجَّة مِمَّن كانَ حَيْثُ ما كانَ إِذَا كان من أَهْلِ الهدايَة.
ورُوِيَ عَنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه قَالَ: «العُلَمَاءُ وَرَثَة الأَنبِيَاءِ» ولاَ مَعْنَى لِكونِهم ورَثة إِلاَّ أَنَّهُمْ حُجَّة فِيما ورِثوا من الْعِلْم، كمَا أَنَّ الأنبياءَ كَانُوا حُجَّة فِي ذَلِكَ، وقَد َعلِمت أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - الواحدَ حُجَّةٌ، فكَذَا العَالِم الواحدُ.
ورُوِيَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه قَالَ: «عُلماءُ أمَّتِي كأنبياءِ بَني إسرائيلَ»، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ حُجَّة كَالأنبياء، وَفي حَدِيث آخَر: «اللهُمَّ لاَ أن يُدركَني زَمَان لا يُتبَع فِيه العَليم»، وهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ العَالِم الواحِد، وَالله أَعلَم.
تَنبيه: اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَوضِع أجَمَعَ المسلمونَ عَلَى أَنَّه حُجَّة عَلَى الْمُكَلَّف كانَ وَاجبا عَلَيهِ قَبول تِلْكَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ الْمَوضِعِ، ويَضيق عَلَيهِ جَهْلُه، ويُقطَع عُذره، ويُحرَم عَلَيهِ الشكُّ فِيه، وكلُّ مَوضِع اختَلَفُوا فِيه: هَل هو حُجَّة أَم لاَ؟ فلاَ يُقطَع عُذر الشاكِّ فِيه ولاَ الْجَاهِلِ به، وَإِنَّمَا يَكُونُ لازما عَلَيهِ عِلمه عَلَى مذهبِ مَن ألزمَه إِيَّاهُ دونَ المذهبِ الآخَرِ، واختِلاَف المسلمين فِي الرأيِ رَحمة، وَالله أَعلَم.