الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ١١٩بِخلاف الغنم فإن نفارها لا يشوِّش الْخُشُوع؛ لأَنَّها سكينة. وقِيلَ: لزفورتِها وكَراهة ريحها، ولكونِها يستتر بِها في العادة عِنْدَ قضاء الْحاجة. وقِيلَ: لأَنَّها من جنٍّ خلقت. قال الْجاحظ: من الناس /114/ من يزعم أن في الإبل عرقًا من سفاد الْجنّ.
قُلْتُ: وَلَعَلَّ حُجَّتهم عَلَى ذَلِكَ خبر الشافعي: أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إذَا أَدْرَكتُم الصَّلاَةَ وَأَنْتَم فِي مَراحِ الغَنَمِ فَصلُّوا فِيهَا فَإنَّها سَكِينَةٌ وبَركَةٌ، وَإِذَا أَدرَكتُم الصَّلاَةَ وَأَنْتَم فِي أَعطَانِ الإبلِ فَاخرُجُوا مِنهَا فَصَلُّوا، فَإنَّها جِنٌّ مِن جِنّ خُلقَت، ألاَ تَرونَ أنَّها إذَا نَفرَت كَيفَ تَشمَخُ بِأَنفِهَا»، وفي حديث آخر قال - عليه السلام -: «لاَ تُصَلُّوا فِي مَبارِك الإبلِ فَإِنَّها خُلِقَت من الشيَاطِين».
وعورض هَذَا التعليل: بِحديث نَافع قَالَ: رأيت ابن عمر يُصَلِّي إِلَى بعيره، وقَالَ: «رأيتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَفعَلُه» إذ لو كَانَ خلق الإبل من الشياطين مانعا من صِحَّة الصَّلاَة لامتنع مثله في جعلها أمام الْمُصَلِّي، وكَذَلِكَ صَلاَة راكبها. وقد ثبت أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَة والسلام «كَانَ يُصَلِّي النافلة عَلَى بَعِيرِه». وتأوَّل بعضهم قوله: «فَإِنَّها خُلِقَت مِن الشيَاطِين» بِِمَعْنَى أَنَّهَا خُلقت معها، وعلى كُلّ حال فظاهر الْحَدِيث – إن صحَّ – يقتضي التعليل بذَلِكَ، سواء أبقي الْحَدِيث عَلَى ظاهره أو تؤوّل كما تأوَّله ذَلِكَ البعض، والله أعلم.