الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ١٩٩واستحبَّ بَعض أصحابنا وغيرهم تأخير صَلاَة الظُّهْر في الْحرِّ الشديد إِلَى أن يبرد الوقت، وعَلَيْهِ أبو مُحَمَّد في جامعه، والإمام أبو إسحاق في خصاله وتبعته في النظم، وَلَم ير بعضهم ذَلِكَ.
وقال بعض: الإبرادُ أَفضل في حقِّ الْجَمَاعَة، فأمَّا الْمُنفرد فَالتعجيل في حقِّه أفضل، ونسب إِلَى أكثر الْمَالكية والشافعيَّة، وذَلِكَ عِنْدَهُم في البلد الْحارِّ.
وَقِيلَ: إذا كَانَ الْجَمَاعَة يَمشون إِلَى الْمَسْجِد في كِنٍّ عن الشَّمس فالأفضل في حقِّهم التعجيل.
احتجَّ الأَوَّلون: بِحديث أبي هريرة أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إذَا اشتَدَّ الْحَرُّ فَأَبرِدُوا بالظُّهْرِ فإنَّ شِدَّة الْحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّم»، قال الربيع: فيحها: نَفَسُها.
ثُمَّ اختَلَفُوا في هَذَا الأمر [«أَبرِدُوا»]:
فقِيلَ: للاستحباب، وعَلَيْهِ الْمَذهَب. وقِيلَ: للإرشاد. وَقِيلَ: بل هو للوجوب حَملا عَلَى حقيقة الأمر، ولا وجه له هاهنا؛ إذ الشواهد قَاضية بأنَّ الْمُصَلِّي أَوَّل الوقت مُطلقا مؤدٍّ لِمَا وَجب عَلَيْهِ إجماعا، فلو كَانَ الإبراد وَاجبا لَكان تركه معصية فيَكُون الْمُصَلِّي أَوَّل الوقت في الْحرِّ الشديد عَاصيا ولا قائل بذَلِكَ.