الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٧الصَّلاَة مَثلا، ولَيسَ وُجُوبُ الصَّلاَة بالإسلام، وَإِنَّمَا وُجُوبُها بِقَوله تَعَالىَ: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاَة﴾، فالإسلام شَرط لِصحَّة الصَّلاَة كالطهارةِ واللباسِ وغَير ذَلِكَ مِن الشروط التي لاَ بُدَّ منها لصحَّة الصَّلاَة.
ويَدُلُّ عَلَى صحَّة قَولنا بتَكلِيف الْمُشرِك بالعبادات الشَّرْعية التي لا تَصحُّ إِلاَّ مع الإِسلاَم قَولُه تَعَالىَ: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، فهذه الآية دليلٌ عَلَى وُجُوب الزكاة عَلَيهم، وقَوله تَعَالىَ حكاية عن الْمُشرِكين فِي النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، فالظاهر أَنَّهُم أخبروا أَنَّ سبب عقابِهم إخلالُهُم بِهَذِهِ الواجبات المعدودة.
فإن قيل: إِنَّ الْمُرَاد فِي قَولِهِم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾: لَمْ نك من المسلمين الذِينَ يُصلُّون، فَعاقَبهم عَلَى كونِهم لَمْ يَكُونوا من المسلمين فَقَطْ.
أُجِيب: بأنَّ الظاهرَ خِلاَف ذَلِكَ.
سلَّمنا؛ فهذَا لاَ يَستقيم لَهُم فِي قَولِهِم: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾، فإنَّ هذَين مُصرِّحَان بأنَّ عقابَهم بالإخلال بذَلِكَ لا بترك الإِسلاَم، قَطعا فِيهما عَلَى ما يقتضيه المنطوق لا المَفهُوم، هَذَا حاصل ما عَلَيه المذهب.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَة فللنَّاس فِيها مذاهب:
- ذَهَبَ قومٌ وهم أكثر أصحابِ أبي حَنِيفَة وأبو حامد الإسفراييني /100/ إِلَى أَنَّهم غَير مكلَّفين بِها، إذ لا يَصحُّ تَكلِيفهم بِها؛ لأَنَّهَا لا تصحُّ مِنهُم وهم مُشرِكون، فيَكُون تَكلِيفهم بِها تَكلِيفا بِما لا يُطاق.
- وذَهَبَ أكثر الْمُعتَزِلَة وأكثر الحنفيَّة وأكثر الشافعيَّة إِلَى أَنَّهم مُخاطبون بأدائهَا ولَم تصحّ مِنهُم شَرعا.