الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٩يأتوا بعين ما أُمِروا به فذَلِكَ مُحال أَيْضًا، فخطابَهم بِها حال كُفرهم بِمَنزِلَةِ قَوله: "أسلِموا ثُمَّ صلُّوا وقت كَذَا"، فَإِذَا مضى ذَلِكَ الوقت وقد تَمكَّنوا من الإِسلاَم والصلاة فِي ذَلِكَ الوقت، فلا شكَّ أَنَّهُم أخلُّوا بواجبين قد أمكنهم الإتيان بِهما، فيعاقَبونَ عَلَيهما جَمِيعا إذ قَد وَجَبَا جَمِيعًا بالأمر.
فإن قيل: إِنَّ هَذِهِ يَسقط وُجُوبُها بفعلِ الإِسلاَم، بِخِلاَف صلاة الْمُحدِث فَإنَّهَا لا تَسقط بفعلِ الوضوءِ.
أُجِيب: بِأَنَّهُ لا نُسلِّم أَنَّهُ يَسقط وُجُوبُها بفعلِ الإِسلاَم إِلاَّ ما قَد فاتَ بِخروج وقته، فيسقطُ عنه عقاب تَفويته، وَأَمَّا /101/ مَا وقته باق فَإنَّهُ لا يسقط بل حُكمه مع الإِسلاَم كَحكمه مع الوضوء سواء، فصحَّ تَكلِيف الكَافِر بالصلاة فِي تِلكَ الحال كالْمُحدِث.
وحجَّة القائلين بعدَم تَكلِيفهم بالعبادات من وَجهَين:
1 - أَحَدُهُمَا: أَنَّ العبادات الشَّرْعية إن وَجَبَت عَلَى الْمُشرِك قبل أن يُسلِم، فقد وَجَبَت عَلَيه فِي حال لاَ يُمكِنه فِيه أداؤهَا، وإن لَمْ يثبت الوُجُوب حَتَّى أسلم فَهُوَ الذِي نَقول.
وَأُجِيب: بأنَّا نقول: إِنَّها وَجَبَت عَلَيه قبلَ إسلامهِ أَن يَأتِيَ بِها بعدَ أن أتَى بِما لا تَتمُّ إِلاَّ به، كما تَجب الصَّلاَة عَلَى الْمُحدِث حال حَدثِه وهي لا تَصحُّ منه فِي تِلكَ الحالِ حَتَّى يَأتي بِما لا تتمُّ إِلاَّ به.
2 - الْوَجْه الثاني: أَنَّهُ لو وَجَبَت عَلَيه لزمه قضاؤها كالمسلم.
وَأُجِيب: بأنَّ القضاء بأمر جديد لَيسَ بَينَهُ وبين وقوع التَكلِيف بِها ولا صحَّته ربط عقلي. سلَّمنا، فَقَد وَجَبَ وسقط بالإسلام، فثبت مَا اخترناه فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة.