الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٩٠واعلم أَنَّ الخِلاَف فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة إِنَّمَا هُو فِي تَكلِيف الْمُشرِك بالعبادات الْعَمَليَّة وترك الأُمُورِ المحظورة، لَكِن لَمَّا كَانَ الخِلاَف هَا هنا لا فَائِدَة له إِلاَّ الْقَول بتعذيبهم فِي الآخِرَة عَلَى تَضيِيعِها، وعدم تعذيبهم عَلَى ذَلِكَ، صرَّح الْمُصَنِّف بذَلِكَ فِي قَوله: (هل يعذَّب) إشارَة منه إِلَى فَائِدَة الخِلاَف تَحريرا لِمحلِّ النزاع، إذ لَيسَ أحد من المسلمين يَقُول: إِنَّ الْمُشرِكَ تَصحُّ منه العبادات إذا فَعلهَا فينبغي أن يكون مَحلّ النزاع إِنَّمَا هو فِي تعذيبهم فِي الآخرة بتضييعها، كما أشار إِلَيه الْمُصَنِّف.
نعم، بقي هنا أن يقال: إن بَعض أصحابنا - رحمهم الله تَعَالىَ – قالوا بأنَّ الطاعة إِذَا فعلها الفاعلُ فِي حال إصراره يُثاب عَلَى فعلها بعد التَّوْبَة والرُّجُوع. وَقيل: لا يُثاب عَلَيها. وَقيل: يُثاب عَلَيها إن كَانَ فِي حال إصراره غَير مُشرِك، ولا يثابُ عَلَيها إن كَانَ فِي ذَلِكَ الحال مُشرِكا. فالإطلاق شامل للمُشرِك والمُنَافِق كما ترى، فيَلزَمُ أن تكون تِلكَ الطَّاعَة صحيحة مِنهُما.
وَإِنَّمَا قيَّد الثوَاب بالتَّوْبَة؛ لأَنَّ القبول لا يَكُون إِلاَّ من الْمُتَّقين.
ويُمكن أن يُجاب عنه بأمرين:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُمكن أَنَّ ذَلِكَ الإطلاق لَمْ يُرِدْه ذَلِكَ القائل، وَإِنَّمَا أُخِذَ من عموم كَلاَمه، ولازم الْمَذهَب لَيسَ بِمذهَب، فيحتمل أَنَّهُ إِنَّمَا أراد بالمصرِّ غَير الْمُشرِك من سائر العُصَاة.
وثانيهما: أَنَّهُ يُمكن أَنَّ ذَلِكَ القائل أرَاد بالطَّاعَة الطاعَةَ التي لَمْ يُشترط الإِسلاَم فِي صحَّتهَا، كَإكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، ونصرِ المظلوم، وبرِّ الوالدين، وصلة الرحم، وأشباهها مِمَّا لا يُشترط فِي صحَّة وُجودِ الإِسلاَم، كمَا بينتُه فِي المشارِق وجعلته قولاً رابعا.