معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ٢٣٦

الْعَصْر إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَة»، فهو حثّ عَلَى الذكر في الوقتين لشرفهما، فلا يَدُلّ عَلَى قصر استحباب الدُّعَاء بَعْد الصلاتين دون غيرهما.

وكذَلِكَ -أيْضًا- لا معنى لِمَا قِيلَ: "إنَّ السّكوت عن الدُّعَاء أفضل" رضا بِمَا سبق في القضاء؛ لأَنَّه مُخَالِف لقوله تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ومُخَالِفٌ لِمَا كان عليه سيرة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَإِنَّه كثيرا ما كان يبتهل في الدُّعَاء.

أمَّا الْحِكَايَة عن خليل الرحمن - عليه السلام - أَنَّه سكت عن الدُّعَاء عند جعله في الْمنجنيق وقال: «عِلْمُهُ بِحَالِي يُغنِي عَنْ سُؤَالِي» فذَلِكَ لَمْ يَصِحّ عندنا، مع أَنَّه قد رُوِيَ عنه - عليه السلام - أَنَّه قال في ذَلِكَ الْحَال بكَلاَمٍ يؤذن بطلبِ النَّجاةِ مِن رَبِّه تَعَالَى.

ونَحن نقطع أَنَّه - عليه السلام - لَمْ يسكت عن الدُّعَاء كما حكى الله عنه في كثير من آيات القرآن مِنهَا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، وَمِنهَا: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ﴾، وَمِنهَا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وَمِنهَا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي﴾ الآيات.

وعلى تقدير صِحَّة ما حكوه عنه في ذَلِكَ الْحَال فلنا أن نقول: إِنَّهُ أمر خاص به؛ لأَنَّه عَلَى شريعة من رَبِّه، ونبيّنا - صلى الله عليه وسلم - عَلَى شريعة من رَبِّه، وإِنَّمَا تعبّدنا باتِّبَاع خاتم النَّبِيّين دون من قبله من الْمرسلين ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.

ثُمَّ إنَّ الدُّعَاء غيرُ مُنَافٍ لِلرِّضَا؛ لأَنَّ ضدَّ الرِّضَا السخط لِلْقَضَاء لا الدُّعَاء، بل الدُّعَاء عبادة كَالْجِهاد، فإنَّ الله أمرنا أن نقاتل الكفَّار عَلَى كفرهم، وهو تَعَالَى أنفذ فيهم قضاءه، فلا يلزم من القيام بأمر الجهاد السخط عَلَى الله فيما قضاه.

٢٬٣٣١ / ٥٬٣٨٩