معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٣٥

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُحافظَة عن سَماع صوت الحدث مَأمُور بِها كَالْمحافظَة عَلَى سَتر العورة، وَالله أعلَم.

الْمَسأَلة الثَّانيَّة: فِي الاستتار عن النَّاس

اعْلَم أَنَّه يُؤمَر من أَرَادَ قَضَاء الْحَاجَة فِي الفضاء وغيره أَن يَستتر عن النَّاس بِحَيثُ لا يرى له شخص، ولا يسمع له صوت لنهيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقضي الرجُل حاجته والنَّاس ينظرون إِلَيه.

ويُؤمَر أن يستتر بما أمكنه من جدار أَو صخر أَو خشب أَو راحلة، أَو ثوبه إن لَمْ يجد غَيره يديره عَلَى نفسه، ويجعل منه للريح منفرجا.

والدليل عَلَى ثُبُوتِ الاستتار ما رُوِيَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ لرجل: «احفَظ عَورَتَك إِلاَّ مِن زَوجَتكَ أَو مَا مَلَكَت يَمينُكُ» ورُوِيَ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُول: «لاَ يَخرجُ الرَّجُلاَنِ يَضرِبَانِ الغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَورَتَهُمَا يَتحَدَّثانِ، فإنَّ الله يَمقُتُ عَلَى ذَلِكَ».

وكان الحسن يَنهى النَّاس عن كَشف عَوراتِهم للاستنجاء ويَقُول: بَلَغني أَنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَعنَ الله الناظِرَ وَالْمَنظُورَ».

وكان علي يَقُول: "لَئن أُنشَر بِالمناشيرِ أحَبّ إِلَيَّ مِن أن أَرى عَورَة أحدٍ أَو يَرى عَورَتِي".

قَالَ أبو سَعِيد: معي أَنَّ هَذَا كُلّه يخرج عَلَى مَعْنَى الأدب فِي المبالغة فِي حفظ الْعَورَة وسترها فِي جَمِيع الأحوال، ومعي أَنَّه مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كراهية إظهار الْعَورَة عِندَ جَمِيع ذوات الأرواح من معاني الأدب، وَهَذَا منه -رحمه الله تَعَالىَ– بَيَان للحكمة فِي ذَلِكَ.

٢٣٥ / ٥٬٣٨٩