معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٤٦

الكعبة تَعظيمًا لَها".

قُلْتُ: وبذَلِكَ قَالَ أبو سَعِيد -رحمه الله تَعَالىَ-، وعلل ذَلِكَ بِأَنَّهُ أشرف المجالس ما تستقبل فِيه الْقِبْلَة.

قَالَ صَاحِب الإيضاح: "فإن قيل: يَلزَمُك عَلَى هَذَا أن تَجعل كُلَّ مَا عظَّمَه الشَّرْع كَذَلِكَ. قيلَ له: قد ذكر أَنَّ بَعض الفقهاء يكره اسْتِقبَال مَطلع الشمسِ ومَغربِها، وكَذَلِكَ الشمسُ والقمر؛ لأَنَّهما خُلِقَا من نورِ العرشِ، فهذَا يَقتضي المساوَاة، وَالله أعلَم".

قُلْتُ: ولعلَّه أَرَادَ من تَعظيم المطلعِ وَالمغرب ما دلَّ عَلَيه تَعظيم القسَم فِي قَوله تَعَالىَ: ﴿كَلاَّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾، فإنَّ الربَّ تَعَالىَ قد أقسمَ بِهَذِهِ الأَشيَاء، والقسم بالشيءِ تَعظيم لَه.

وعلَى كُلِّ حال فلَيسَ ما صرَّح الشارع بالنهي عن اسْتِقبَاله كالْقِبْلَة مساويا لِمَا لَمْ يُصرِّح بالنهي عن اسْتِقبَاله كالمشرق والمغرب، فَإنَّهُ وإن كَانَ عظيما عِندَ الله وعِندَ عباده؛ لَكِن قد يَكُون النهي عن اسْتِقبَال الْقِبْلَة لِخاصيَّة بِها غَير التعظيم كَكونِها قِبلَة للمصلِّي، وقد يَكُون للتعظيمِ كما صرَّح به أبو سَعِيد وصَاحِب الإيضاح.

ومع ذَلِكَ فقد يَكُون النهي تعبُّديا كما هو الظَّاهِر، فلا يقاس عَلَيه، وقد يَكُون غَير توقيفي، عَلَى أَنَّ الشارع لو أَرَادَ أن يُشرِك /133/ غَير الْقِبْلَة فِي هَذَا الحكم لأمكن التعبير عنه، ونصب الدلالة عَلَيه، مع علمه بتعظيم ما عظم الله، فظهرَ أَنَّ اسْتِقبَال المطلع والمغربِ لَيسَ كاسْتِقبَال الْقِبْلَة فِي قَضَاء الْحَاجَة بل هو أخفُّ حالة، وإن قاسه بَعض الفقهاء فلَيسَ ما ثَبت بالقياس كحكم ما ثبت بالنصِّ، لصحَّة النزاع فِي صحَّة القياس، وَفي سلامة علَّتِه من القوادح.

٢٤٦ / ٥٬٣٨٩