الجزء التاسع
الجزء ٩ · صفحة ٥٢وَأَمَّا احْتجاجه بقول أبي بكر: "لأقتلنَّ من فرَّق بين الصَّلاَة والزكاة" فهو حُجَّة عليه لا له.
وَأَمَّا قوله: "والذين قتلهم أبو بكر عَلَى الزكاة جحدوا فرضها" فليس بشيء؛ لأَنَّ قتاله - رضي الله عنه - إيَّاهم إنَّما كان عَلَى منع الزكاة لا عَلَى إنكارها، وذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قبض - صلى الله عليه وسلم - وانتشر خبر وفاته، ارتدّ عامة العرب إِلاَّ أهل مكَّة والْمدِينَة والبحرين من عبد القَيْس، ومَنَعَ بعضهم الزكاة وهمَّ أبو بكر بقتالِهم فكره ذَلِكَ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال عمر: "كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قاَلُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ»، قال له أبو بكر: "أليس قد قال: «إِلاَّ بِحَقِّها» ومن حقِّها إقامة الصَّلاَة وإيتاء الزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يُؤَدُّونَه إلى رسول الله لقاتلتهم عَلَى منعه ولو خذلني الناس كُلّهم لَجاهدتهم بنفسي"، فقال عمر بن الْخَطَّاب: "فوالله ما هو إِلاَّ أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أَنَّهُ الْحَقّ".
فهذا يَدُلُّ أن القتال إنَّما كان عَلَى منع الزكاة لا عَلَى إنكار فرضها، والله أعلم.
ولَمَّا فرغ من بيان صفة الصَّلاَة في نفسها أخذ في الكَلاَم عَلَى بيان أحكامها /279/ مع الْجَمَاعَة؛ لأَنَّ ذَلِكَ من بعض صفاتِها أيضا فعقد له باباً مستقِلاًّ